نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢٠٩ - الفصل الأوّل فى ظواهر السنة الأولى من الهجرة و ما فيها من الغزوات
الباب الرابع فى تفاصيل الظواهر التى حدثت بعد هجرته (عليه الصلاة و السلام) إلى وفاته (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و فيه فصول
الفصل الأوّل فى ظواهر السنة الأولى من الهجرة و ما فيها من الغزوات
قدم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأولي، ظهر يوم الاثنين، فنزل قباء، و أقام بها الاثنين، و الثلاثاء، و الأربعاء، و الخميس، و أسّس مسجد قباء الذي نزل فيه: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى [التوبة: ١٠٨]. و خرج من قباء يوم الجمعة، فما مر علي دار من دور الأنصار إلا قالوا: «هلمّ يا رسول الله إلى العدد و العدّة»، و يعترضون ناقته، فيقول: «خلّوا سبيلها فإنها مأمورة» ثم سارت حتّى انتهت إلي موضع مسجده؛ فبني مسجده الشريف و مساكنه كما سبقت الإشارة إلي ذلك آنفا، فلم يزد فيه أبو بكر في أيام خلافته شيئا، و زاد فيه عمر، و بناه علي بنائه في عهده (عليه الصلاة و السلام). ثم غيّره عثمان بن عفان في خلافته، فزاد فيه زيادة كثيرة، و بنى جدرانه بالحجارة المنقوشة، و جعل عمده من حجارة منقوشة أيضا، و سقفه بالسّاج [١]. ثم لما صارت الخلافة إلي الوليد بن عبد الملك الذي عمّر جامع دمشق: استعمل علي المدينة عمر بن عبد العزيز، و كتب إليه في سنة سبع و ثمانين من الهجرة يأمره بعمارة مسجده (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و بإدخال بيوت أزواجه فيه، حتّى تصير مساحة المسجد مائتى ذراع [٢] في مائتي ذراع، فأجابه أهل المدينة إلى ذلك، ففعل عمر بن عبد العزيز كذلك.
[١] الساج: ضرب من الشجر من الفصيلة الأرثدية يعظم جدا، و يذهب طولا و عرضا، و له ورق كبير، و خشبه صلب جدا.
[٢] الذراع: ٦٤ سنتيمترا.