نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ٢١٠ - الفصل الأوّل فى ظواهر السنة الأولى من الهجرة و ما فيها من الغزوات
و قد عمّر المسجد الشريف جماعة من ملوك الإسلام، و قد احترق هذا المسجد في زمن الملك الأشرف قايتباى الظاهرى، فعمّره و وضع الدرابزينات حول الحجرة الشريفة، و عمل فيه منبرا، و سقّفه و ذهّب سقفه.
ثم في سنة ست و ثمانين و ثمانمائة، وقعت صاعقة بالليل علي منارة المسجد النبوي، احترق منها سقوف المسجد الشريف النبوي، و جميع ما فيه من المصاحف و الكتب، و غير ذلك، و لم يبق سوي الجدران، و وردت الأخبار بذلك إلي السلطان المذكور، فجدّد عمارته، فجاءت في غاية الحسن.
و لمّا تمت العمارة التي صرف عليها أكثر من مائة ألف دينار، أرسل إلى المدينة المنورة خزانة كتب، و جعل مقرها بمدرسته التى عمرها هناك، و أرسل عدة مصاحف و أوقف عليها ما يلزم وقفه، و المدرسة باقية عامرة، علي يسار الداخل للحرم النبوي، و ينزل بها أمير الحاج المصري. و قد اعترض أهل الزيغ و الشقاق، و من في قلبه مرض و نفاق بحلول هذه الحادثة بالحرم الشريف، و إن لم يصب الحجرة الشريفة ما يخلّ بالمقام المنيف، فكان الردّ على المنافقين، و عصبة الضّلال الفاسقين، بأنه ليس في هذا أدنى نقص في حقه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أنّ حرمه لم يزل عند الله تعالى، و عند أهل الإيمان في أعلى درجات المقام الأعظم، و إنما لمّا مال من مال من أهل طيبة عن سنته، رماهم الله تعالى بهذا الأمر، فتلقاها عنهم (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمسجده؛ لكمال رحمته بهم و رأفته.
قال الشريف السمهودي: و في ذلك عبرة تامة، و موعظة عامة، أبرزها الله تعالى للإنذار فخص بها النذير الأعظم (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قد ثبت أن أعمال أمته تعرض عليه [١] فلما ساءت الأعمال المعروضة، ناسب ذلك الإنذار بإظهار النار المجازى بها يوم القيامة و العرض، قال الله تعالى: وَ ما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً [الإسراء: ٥٩] و قال تعالى: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:
١٦]. و قال الشاعر في هذا المعنى:
[١] للحديث الصحيح: «حياتى خير لكم؛ تحدثون و يحدث لكم؛ و مماتى خير لكم؛ تعرض عليّ أعمالكم، فإن وجدت خيرا حمدت، و إن وجدت شرا استغفرت لكم» رواه الحارث و ابن سعد و غيرهما و هو حديث صحيح ثابت.