نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٩٩ - هجرة بقايا المسلمين من مكة
اسمك؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر؟
فقام إليه رجل، فقال: أنا، فقال: تجعله؟ قال: نعم، إن شاء الله، قال: ما اسمك؟
قال: باقوم، و كان قبطيا، قال: اجعله. فجعله، فصنع له المنبر ثلاث درجات بينه و بين الحائط ممر [١] الشاة. فلما كان أيام معاوية جعل المنبر ست درجات، و حوّله عن مكانه، فكسفت الشمس يومئذ.
و حنين الجذع الّذي كان يخطب عليه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حديث متواتر، رواه من أصحاب رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) الجمع الكثير، و إلى حنين الجذع أشار الإمام السبكى في تائيته بقوله:
و حنّ إليك الجذع حين تركته * * * حنين الثّكالى عند فقد الأحبّة
و أشرقت المدينة بقدومه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيها، و سرى السرور بحلوله (صلّى اللّه عليه و سلّم).
قال أنس بن مالك رضى الله عنه: لما كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الّذي مات فيه أظلم منها كل شيء.
و عن البراء بن عازب قال: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء كفرحهم برسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و صعدت ذوات الخدور على الأسطحة لقدومه [٢] (صلّى اللّه عليه و سلّم) يقلن:
طلع البدر علينا * * * من ثنيّات الوداع [٣]
وجب الشّكر علينا * * * ما دعا للّه داع
أيها المبعوث فينا * * * جئت بالأمر المطاع
[١] أى قدر مرور شاة حوالى نصف متر.
[٢] فى الأصل: «من قدومه».
[٣] ثنية الوداع: موضع، و هى ثنية مشرفة على المدينة- و الثنية في الأصل: كل عقبة مسلوكة في جبل- دخلها النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عند خروجه من قباء. و لما أراد بناء المسجد الشريف- مسجد قباء- قال: يا أهل قباء. ائتوني بأحجار من الحرّة، فجمعت عنده أحجار كثيرة، فخطّ القبلة و أخذ حجرا فوضعه، ثم قال: يا أبا بكر خذ حجرا، فضعه إلى جنب حجري، ثم قال: يا عمر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر أبى بكر، ثم قال: يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر عمر.
فسئل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن ذلك فقال: «أمر الخلافة» (رواه الحاكم و صحّحه).