نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٩٢ - مبدأ التأريخ الإسلامى
و الملائكة و الناس، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا و لا عدلا» [١].
و كيف لا تطيب بالحبيب حسّا و معنى، و هى معمورة أيضا بالطيبين ملائكة و إنسا و جنا، و لا يدخلها ببركته الطاعون، و لم يصب (عليه الصلاة و السلام) قط بالطاعون، و لا بذات الجنب، و لا جنّ نبيّ، و لا سلب، و لا احتلم، و لا تثاءب؛ لأن هذا من الشيطان، و قد عصمهم الله من ذلك، و لا تسمى مدينته الشريفة العلية فى الإسلام يثرب، كما كانت تسمى في الجاهلية لكراهة لفظ التثريب، الّذي كالتعنيف و التعبير و الاستقصاء في اللوم، و منه- التثريب عليكم- قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) «يقولون يثرب، و هى المدينة» [٢].
قال النووى في شرح مسلم: يعنى أن بعض الناس من المنافقين و غيرهم يسمونها يثرب، و إنما اسمها المدينة. انتهي.
و مع ذلك فمادحوه كثيرا ما يذكرون يثرب في مديحهم، كقول سيدى عبد الرحيم البرعي:
يا ساكن القبر المنير بيثرب * * * يا منتهى أملى و غاية مطلبى
فلعل قرائن المديح يحسن معها هذا التعبير، و العبرة في مثل هذا بالنية. و عن ابن عمر أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت؛ فإني أشفع لمن يموت بها» [٢]، لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه تعالى
[١] و قال (عليه الصلاة و السلام): «من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنى» رواه أحمد عن جابر.
[٢] و في الحديث الشريف: «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله: هى طابة، هى طابة» رواه الإمام أحمد عن البراء.
و التثريب: المؤاخذة، و منه قوله تعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ أى لا مؤاخذة و لا معاقبة عليكم، و لذلك نهى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن تسميتها «يثرب» لأن الماكث فيها يكون كما قال: «تنصح عليها» و تنصح الطيب أى تجلوه، و تزيده إيمانا.
و لذلك سماها الله تبارك و تعالى «الإيمان» فى قوله تعالى: وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ [الحشر: ٩] و في حديث اخر رواه مسلم في فضل المدينة يأتى على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه و قريبه: هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، و الّذي نفسى بيده لا يخرج منها أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خبيرا منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبيث لا تقوم الساعة حتّى تنفى المدينة شرارها كما ينفى الكير خبث الحديد».