نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٩١ - مبدأ التأريخ الإسلامى
سالم بن عوف، فصلّاها في مسجدهم الّذي في بطن وادى «نونا» (بنون مضمومة و أخرى بعدها ألف ممدودة، و هو مسجد صغير مبنى بحجارة قدر نضف القامة) بمن كان معه من المسلمين، و هم مائة، فكانت هذه الجمعة أوّل جمعة صلّاها بالمدينة و خطب بها، و هى أوّل خطبة خطبها في الإسلام.
و كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخطب قائما، و كان إذا خطب احمرّت عيناه و علا صوته و اشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول «صبّحكم و مسّاكم» [١]، و لعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرا عظيما، و يقول: «بعثت أنا و الساعة كهاتين» [٢] و يقرن بين إصبعيه: السبابة و الوسطى و يقول: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، و خير الهدى هدي محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و شرّ الأمور محدثاتها، و كل محدثة بدعة، و كل بدعة ضلالة، و كل ضلالة في النار» [٣].
و كان إذا قام أخذ عصا فتوكأ عليها، و كان أحيانا يتوكأ على قوس، و لم يحفظ عنه أنه توكأ على سيف. و عند الإمام أحمد و غيره من حديث سعد بن عائذ و سعد القرظ مؤذن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، و إذا خطب في الجمعة خطب على عصا. و في و في حديث عائشة رضى الله عنها، قالت: «كان لرسول الله [ثوبان يلبسهما يوم الجمعة، فإذا انصرف من الجمعة طواهما و رفعهما».
و في حديث عمرو بن أمية عند النسائى قال: كأنى أنظر إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) على المنبر و عليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه. و من جملة خطبته (صلّى اللّه عليه و سلّم): «فمن استطاع أن يقى وجهه من النار و لو بشق تمرة فليفعل، و من لم يجد فبكلمة طيبة، فإنها تجزئ: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة».
ثم توجه بعد صلاة الجمعة على راحلته متوجّها إلى المدينة، فلما أشرف عليها قال: «هذه طابة أسكننيها ربّي، تنفى خبث أهلها كما ينفى الكير خبث الحديد، من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله عز و جل، و عليه لعنة الله
[١] رواه ابن ماجه، و ابن حبان، و الحاكم عن جابر رضى الله عنه.
[٢] رواه أحمد، و الترمذي، عن أنس، و رواه الإمام أحمد عن سهل بن سعد.
[٣] رواه الإمام أحمد و مسلم و النسائى، و ابن ماجه عن جابر، و البيهقى مطولا في الدلائل، و ابن عساكر عن عقبة بن عامر و السجزى في الإبانة، و ابن أبي شيبة.