نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٨٩ - مبدأ التأريخ الإسلامى
الجزار: و يعرف بعام الإذن، و قيل: إن عمر رضى الله عنه أوّل من أرّخ و جعله من المحرّم، و قيل: يعلى بن أمية إذ كان باليمن، و قيل بل أرّخ بوفاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) [١].
و من فوائد التأريخ معرفة الآجال و حلولها، و أوقات التواليف، و وفيات الشيوخ، و مواليدهم، و الرواة عنهم، فيعرف بذلك كذب الكذّابين و صدق الصادقين، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢].
و أخرج البخارى في «الأدب»، و الحاكم عن ميمون بن مهران قال: رفع إلى عمر صكّ محله شعبان، فقال: أيّ شعبان: الّذي نحن فيه، أو الّذي مضي، أو الّذي هو ات؟ ثم قال أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): ضعوا للناس شيئا يعرفونه من التاريخ، فقال بعضهم: اكتبوا على تاريخ الروم، فقال: إن الروم يطول تاريخهم يكتبون من ذى القرنين، فقال: اكتبوا على تاريخ فارس، فقال: إن فارس كلما قام ملك طبع من كان قبله.
فاجتمع رأيهم أن الهجرة كانت عشر سنين، فكتبوا التاريخ من هجرة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم).
* و كانت الأنصار لمّا بلغهم خروج النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يخرجون كل يوم لتلقّيه، فإذا اشتدّت الهاجرة (و يقال الهجير، و هو اشتداد الحر نصف النهار، و هو المراد بالعليا، و الهاجرة السفلى هى التى بعد الضحى و قبل الزوال) رجعوا. فلما كان يوم قدومه فعلوا ذلك، فرآه رجل من يهود، فنادى بأعلى صوته: «يا بنى قيلة هذا جدّكم- أى حظكم و مطلوبكم- قد أقبل» فخرج إليه بنو قيلة، و هم الأنصار: الأوس و الخزرج بسلاحهم، فتلقوه و نصروه على أعدائه و آووه، و واسوه، و آووا أصحابه و واسوهم، و هم الذين قال تبارك و تعالى
[١] قال ابن الصلاح: وقفت على كتاب في الشروط للأستاذ الزيادى، ذكر فيه: أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرّخ حين كتب الكتاب لنصارى نجران، و أمر عليا أن يكتب فيه: إنه كتب لخمس من الهجرة.
و قال الجلال السيوطى في كتابه «الشماريخ في علم التأريخ» إن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمر بالتأريخ يوم قدم المدينة في شهر ربيع الأوّل. و قال ابن عساكر: «هذا أصوب».
و من هذا نعرف أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) هو المؤرخ الأوّل بالهجرة، و عمر تبعه.