نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٦٦ - مسألة رؤية اللّه
فالأزمان متكافئة في حدّ ذاتها، و الفضل إنما هو بالخصوصيات المنسوبة إليها؛ فقد ذهب العز بن عبد السلام إلى أن التفضيل إنما هو بين العقلاء، و لا يجرى في غيرهم من الأماكن و الأزمان إلا باعتبار ما يقع فيها من الأعمال و العبادات، لا في ذواتها.
و مذهب غيره أن التفضيل يكون بالذات: كتفضيل العلم على الظن، و بالصفة: كتفضيل القادر على العاجز، و بالطاعة: كتفضيل الولىّ على غيره من المؤمنين، و بالثواب: كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، و بما حل فيه: كتفضيل مزاره (صلّى اللّه عليه و سلّم) على سائر البقاع، و بالإضافة: كبيت اللّه، و حزب اللّه، و بالانتساب: كزوجاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ذريّته، و بالثمرة و الجدوى: كتفضيل الرسالة على النبوة، و بتفاوت الثمرة و تحققها: كما في العلوم المدوّنة، و بما يفيضه الله تعالى على الأماكن و الأزمان بفيضه و كرمه: كاختصاص عرفة بالوقوف. فلا عبرة بمذهب من سوّى بين الأعيان و الأزمان و الأماكن، و زعم أنه لا مزية لشيء، و إنما هو مجرد ترجيح بلا مرجّح؛ فإن قوله باطل، و يكفى في فساده أنه يقتضي أنّ ذوات الرسل كذوات أعدائهم، و أن البيت الحرام كغيره من البيوت، و الحجر الأسود كغيره من الأحجار من غير فرق، و لا قائل بذلك، بل التفضيل له معان و أسباب، و من هذا يعلم أيضا أن التفضيل بين العقلاء ليس بكثرة الثواب و العمل فقط، و هو الحق، فالتفضيل للأنبياء بقرب المنزلة من الله و علوّ المرتبة و كثرة الخصائص و المعجزات، كخاصة الإسراء لنبينا (صلّى اللّه عليه و سلّم) و إضافته إليه في قوله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ قال أبو سلمان القاسم الأنصاري:
لما وصل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى الدرجات العالية و المراتب الرفيعة في المعارج، أوحى الله إليه: بم أشرّفك؟ فقال: يا رب بنسبتى إلى نفسك بالعبودية، فأنزل الله تعالى فيه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ و لذلك قيل:
يا قوم قلبى عند أسماء * * * يعرفه السامع و الرائى
لا تدعنى إلّا بيا عبدها * * * فإنّه اشرف أسمائى