نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٦٤ - مسألة رؤية اللّه
وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [الشمس: ٣، ٤] و بأن التقديم لا يدل على فضيلة، فقد قدّم الله الموت على الحياة، و الجنّ على الإنس، و الأعمى و الأصمّ على البصير و السميع، فى قوله: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ [الملك: ٢]، وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَ الْأَصَمِّ وَ الْبَصِيرِ وَ السَّمِيعِ [هود: ٢٤]، و المتأخر مما ذكر أفضل من المتقدم قطعا، و بأن النور قبل الظلمة، قال الله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [النور: ٣٥]، و بأن الناس و الشعراء ما زالوا يذمّون الليل و يشكونه كقول امرئ القيس:
و ليل كموج البحر أرخى سدوله * * * عليّ بأنواع الهموم ليبتلى
فقلت له لما تمطّى بصلبه * * * و أردف أعجازا و ناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل * * * بصبح و ما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليل كأنّ نجومه * * * بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
و قد استعاذوا بالله من الأبهمين، و يقال الأعميين: السيل و الليل. و بالليل تدبّ الهوام و تثور السباع و تنتشر اللصوص و تشن الغارات و ترتكب المعاصى، و لذلك قيل «الليل أخفى للويل».
و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلّم) «أقلّوا الخروج إذا هدأت الرّجل؛ فإن لله دوابّ ينشرها [١] و قد شبه الله تعالى به وجوه أعدائه، فقال كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً [يونس: ٢٧]، و كان الحسن يقول: ما خلق الله خلقا أشد سوادا من الليل. و قال تعالى: وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ [الفلق: ٣]. قيل: هو الليل إذا أظلم و تقول العرب للمكثار: حاطب ليل؛ لما يخشى عليه من نهش الهوام.
و نهى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن صوم الليل، و أمر بغلق الأبواب و كفّ الصبيان بالليل.
[١] رواه أحمد، و أبو داود، و النسائى عن جابر، و بلفظه: «أقلوا الخروج بعد هدأة الرجل؛ فإن لله دواب يبثهن في الأرض في تلك الساعة».