نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٦٣ - مسألة رؤية اللّه
آيَتَيْنِ [الإسراء: ١٢] هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً [يونس: ٦٧] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً [القصص: ٧١]، و أن الله خلقه قبل النهار، و أن ليالى الشهر سابقة على أيامه و أن في الليالى ليلة خيرا من ألف شهر، و ليس في الأيام مثلها، و أن في كل ليلة إجابة و ليس ذلك في النهار إلا في يوم الجمعة خاصة، و أنه وقت الخلوة و الاختصاص عرفا، فإن بين جليس الملك نهارا و جليسه ليلا فرقا واضحا، و أن النهار فيه أوقات تكره فيها الصلاة» [١] و ليس في شيء من ساعات الليل وقت كراهة، و الصلاة من أشرف العبادات، و أن فيه التهجد و الاستغفار بالأسحار، و هما أفضل من صلاة النهار و استغفاره، و أنه أصحّ لتلاوة الذكر، قال الله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا [المزمل: ٦] و قال:
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ [الزمر: ٩]. و أن الإسراء وقع بالليل، قال الله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: ١]، و قال الله تعالى:
وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣) وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها [الشمس: ٣، ٤].
و قال أهل العلم: فى الليل تنقطع الأشغال، و تجمّ الأذهان، و يصحّ النظر، و تؤلّف الحكم، و تدرّ الخواطر، و يتّسع مجال القلب. و مؤلفو الكتب يختارونه على النهار؛ لأن القلب بالنهار طائر و بالليل ساكن، و كذلك مدبر و الملوك، و قديما كان يقال: الليل نهار الأريب.
و قال القائل:
و لم أر مثل الليل جنّة [٢]فاتك * * * إذا همّ أمضى [٣]، أو غنيمة ناسك
و عارضه صاحب النهار بأن الله قدّم ذكره في قوله وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣)
[١] أوقات كراهة الصلاة عند طلوع الشمس، و بعد العصر إلى المغرب.
[٢] ستر و وقاية.
[٣] إذا عزم على خطة أنفذها.