نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٤٩ - الفصل الرابع في الإسراء به
باطلا. فإن قالوا: نحن لا نقول إن جبريل جسم ينفصل من مكان إلى مكان، و إنما نقول: المراد من نزوله هو زوال الحجب الجسمانية عن روحه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتّى يظهر في روحه من المكاشفات و المشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل، قلنا: تفسير الوحى بهذا الوجه هو قول الحكماء [١].
و أما جمهور المفسرين فيقرون بأن جبريل جسم، و أن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأملاك إلى مكة، و إذا كان كذلك كان الإلزام المذكور قويا، و هذا تقرير ما ذهب إليه الأكثرون من المسلمين، و إن ذهب الأقلّون إلى أنه (عليه الصلاة و السلام) ما أسرى إلا بروحه. انتهي.
فقد ذهب أهل التحقيق أنه تعالى أسرى بروح محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم) و جسده من مكة إلى المسجد الأقصى. انتهي.
قال بعضهم في هذا المعنى مخاطبا له (صلّى اللّه عليه و سلّم):
أسرى إلى الأقصى بجسمك يقظة * * * لا في المنام فيقبل التأويلا
إذ أنكرته قريش قبل و لم تكن * * * لترى المهول من المنام مهولا
و قال اخر:
أ لم تر أنّ اللّه أسرى بعبده * * * إلى المسجد الأقصى من البيت ذى الحجر
و طاف به الكونين في ليلة السري * * * و علّمه ذو مرّة كلّ ما يجرى
دنا فتدلّى قاب قوسين فاتلها * * * و علّمه ما لم يكن قبله يدرى
خليل، و لم يعلم كليم، و لم ينل * * * مسيح، و لا خلق إلى منتهى الحشر
و قوله: «و علّمه ما لم يكن قبله يدرى خليل» إلى آخره إشارة إلى أنّ معراجهم لم يكن كمعراجه مشتملا على تعليم كتعليمه؛ و ذلك لأن المعراج كان لستة من الأنبياء: خليفة اللّه تعالى آدم أبو البشر، و إدريس، و إبراهيم، و موسى، و عيسى،
[١] الحكماء هنا هم: الفلاسفة، و الفلاسفة لا دين لهم.