نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٤٧ - الفصل الرابع في الإسراء به
و هيأته كذا، و قربه من الجبل كذا. و سألوه أمارة، فأخبرهم بالعير و أنهم يقدمون يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتّى كادت الشمس أن تغرب، فدعا (صلّى اللّه عليه و سلّم) اللّه، فحبس الشمس، و كان كما وصف (صلّى اللّه عليه و سلّم). و اختلف في حبس الشمس، فقيل وقوفها عن السير (عن الحركة) بالكلية، و قيل بطء حركتها. (و قيل غير ذلك).
فما زال ينعت لهم حتّى التبس عليه النعت، فكرب كربا ما كرب مثله، فجيء بالمسجد و هو ينظر إليه حتّى وضع دون دار عقيل أو عقال، فقالوا له: كم للمسجد من باب؟ و لم يكن عدّها، فجعل ينظر إليها و يعدّها بابا بابا، و أبو بكر رضى اللّه عنه يقول: «صدقت، صدقت، أشهد أنك رسول اللّه»، فقال القوم: أما النعت فو اللّه لقد أصاب، ثم قالوا لأبى بكر: أ تصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس و جاء قبل أن يصبح؟ قال: «نعم، إنى لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك؛ أصدّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة». فلذلك سمى أبو بكر الصدّيق رضى اللّه عنه.
و حكمة تخصيص الإسراء إلى المسجد الأقصى: أن قريشا تعرفه، فيسألونه عنه، فيخبرهم بما يعرفونه، مع علمهم أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يدخل بيت المقدس قط، فتقوم الحجة عليهم، و كذلك وقع.
* و قد اختلف الناس في كيفية الإسراء: فالأكثرون من طوائف المسلمين متفقون على أنه بجسده (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و الأقلّون قالوا بروحه، فالإسراء بالروح محكي عن حذيفة و عائشة و معاوية رضى اللّه عنهم، فقد قالوا: إن ذلك كله كان رؤيا، و هناك قول ثالث: إن الإسراء كان بجسده إلى بيت المقدس، و بروحه من بيت المقدس إلى السموات السبع.
و الصحيح عند الجمهور أن الإسراء و المعراج كانا يقظة لا رؤيا؛ لأنه قد صح أن قريشا كذّبته، و ارتدّ جماعة ممن كان أسلم، و سألوه أمارة فأخبرهم بقدوم العير يوم الأربعاء؛ فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتّى كادت الشمس أن تغرب، فدعا اللّه تعالى فحبس الشمس حتّى قدموا كما وصف. و كذلك تجلّى البيت المقدس له و نظره إليه و إخبار قريش، فهذا يدل على أن ذلك كله لم يكن رؤيا، و لو قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) «رأيت رؤيا» لما كذّب و لا أنكر ذلك على غيره، فضلا عن إنكاره عليه، لأن احاد الناس يرون في منامهم أنهم ارتقوا إلى السموات، و ليس ذلك بعجيب.