نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٤٨ - الفصل الرابع في الإسراء به
و أيضا الظاهر من قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ أنه يقظة؛ فإن العبد (كما في المحكم) [١] الإنسان: حرّا كان أو عبدا لأنه مملوك لربه، و هو في الأصل صفة، لكنه استعمل استعمال الأسماء، و المراد به هنا محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، ففى قوله بِعَبْدِهِ دليل على أن الإسراء كان بروحه و جسده، لا بروحه فقط؛ إذ العبد اسم للجسد و الروح. و تعجّب قريش من ذلك لاستحالتهم إياه مدفوع [٢] كما قال أهل الهيئة [٣] إن الفلك الأعظم في مقدار ما يتلفظ الإنسان بلفظة واحدة يقطع ألفا و اثنين و ثلاثين فرسخا، و كما قاله البيضاوى بما ثبت في الهندسة أنّ ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين كرة الأرض مائة و نيفا و ستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل يصل موضعها الأعلى في أقل من ثانية [٤] و هى جزء من ستين جزءا من الدقيقة.
و قد برهن في كتاب «الإحكام» أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض، فاللّه قادر على كل الممكنات، فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي، أو فيما يحمله، و التعجب من لوازم المعجزات. ا ه.
قال محشّيه [٥]: و أيضا كما يستبعد في العقل صعود الجسم الكثيف من مركز العالم إلى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحانى من فوق العرش إلى مركز العالم. فإن كان معراجه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ليلة واحدة ممتنعا، كان نزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعا، و لو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة جميع الأنبياء (عليهم الصلاة و السلام)، و القول بثبوت المعراج متفرع على نحو تسليم جواز أصل النبوة، فثبت أن القائلين بامتناع صعود حركة جسمانية سريعة إلى هذا الحدّ يلزمهم القول بامتناع نزول جبريل فى لحظة واحدة من العرش إلى مكة، و إن كان ذلك باطلا كان ما ذكر أيضا
[١] كتاب المحكم لابن سيده و هو العمدة في المعاجم.
[٢] أى مردود عليه.
[٣] علماء الطبيعة (الفيزياء).
[٤] لأنها نجم سيار، فالمكان الّذي يكون فيه طرفها الأعلى يصله طرفها الأسفل في هذه المدة، و اللّه هو الأعلم و الأدرى بخلقه.
[٥] أى صاحب الحاشية أى الهامش على الكتاب المذكور.