نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٤٦ - الفصل الرابع في الإسراء به
* قال بعض المفسرين: الأفعال التى كلّفنا اللّه بها على قسمين:
منها ما يعقل معناه و وجه حكمته فيه؛ كالصلاة و الصوم و الزكاة؛ فإن الصلاة تضرّع محض، و تواضع و تذلل للخالق، و الزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، و الصوم سعي في كسر الشهوة.
و منها ما لا يعقل معناه و لا يعرف وجه الحكمة فيه كأفعال الحج؛ فإنّا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمى الجمار، و السعى بين الصفا و المروة و الرّمل.
ثم اتّفق المحققون على أنه كما يحسن منه تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأوّل، فكذا يحسن منه الأمر بالنوع الثاني؛ لأن الإطاعة في النوع الأوّل لا تدل على كمال الانقياد؛ لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله من وجه المصلحة فيه، بخلاف الطاعة في النوع الثاني؛ فإنها لا تدل إلا على كمال الانقياد، و كمال نهاية التسليم؛ لأنه لمّا لم يعرف منه وجه المصلحة إليه لم يكن وجه إتيانها إلا محض الانقياد و التسليم، و هذا معنى قولهم: يجب علينا الإيمان و التصديق بكل ما جاءت به الرسل و إن لم نفهم حكمته، كذلك يجب علينا الإيمان و التصديق بكلام الأئمة و إن لم نفهم علّته حتّى يأتينا عن الشارع ما يخالفه.
و من شعائر الإسلام الصلوات، و الجماعات، و قراءة القرآن. و المساجد و المحاريب في زماننا أكثر؛ إذ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) خرج من الدنيا و الإسلام لم يبلغ غير جزيرة العرب.
* و لما أصبح (صلّى اللّه عليه و سلّم) قصّ على قريش ما رأي، فقال له المطعم بن عدي: «كلّ أمرك قبل اليوم كان أمما (يعنى خفيفا)، أنا أشهد أنك كاذب؛ نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعدا شهرا و منحدرا شهرا و تزعم أنك أتيته في ليلة! و اللات و العزّى لا أصدّقك».
فقال أبو بكر رضى اللّه عنه: «يا مطعم، بئس ما قلت لابن أخيك، جبهته و كذبته، و أنا أشهد أنه صادق».
فقالوا: «يا محمد صف لنا بيت المقدس، كيف بناؤه؟ و كيف هيئته؟ و كيف قربه من الجبل؟ (و في القوم من سافر إليه)، فذهب ينعت لهم: بناؤه كذا،