نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٤٥ - الفصل الرابع في الإسراء به
و ثانيها، قال: لا أدفع أرزاقهم إلى غيرهم، و هم يدفعون عملهم إلى غيري.
و ثالثها، قال: إنهم يأكلون رزقي، و يشكرون غيري، و يحرنون [١] معي، و يصالحون خلقي.
و رابعها، قال: أنا المعزّ، و هم يطلبون العزّ من سواي.
و خامسها قال: إنّى خلقت النار لكل كافر، و هم يجتهدون أن يوقعوا أنفسهم فيها».
و فرض اللّه عليه و على أمته تلك الليلة كل يوم و ليلة خمسين صلاة في أوّل الأمر، فما زال يراجع حتّى صارت خمسا في الفعل و خمسين في الأجر.
و الحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء: أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما عرج به إلى السماء، رأى تلك الليلة تعبّد الملائكة؛ منهم القائم فلا يقعد، و الراكع فلا يسجد، و الساجد فلا يقعد، فجمع اللّه تعالى له و لأمته تلك العبادات في ركعة واحدة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة و الإخلاص.
و في اختصاص فرضها في السماء دون سائر الشرائع فإنها فرضت في الأرض، فللتنبيه على مزيتها على غيرها من الفرائض. و في فرضها تلك الليلة (كما قال السهيلي) التنبيه على فضلها حيث لم تفرض إلا في الحضرة المقدّسة المطهّرة، و لذلك كانت الطهارة من شأنها و من شرائطها، و التنبيه على أنها مناجاة الرب عزّ و جلّ، و أن اللّه تبارك و تعالى يقبل بوجهه على المصلى يناجيه و يقول: حمدنى عبدي، أثنى عليّ عبدي، إلى اخر سورة الفاتحة، و هو المشاكل لفرضها عليه فوق السماء السابعة حين سمع كلام الرب عز و جل، و ناداه. و لم يعرج به حتّى طهّر ظاهره و باطنه بماء زمزم، كما يتطهر المصلى للصلاة، و أخرج عن الدنيا بجسده كما يخرج المصلى عن الدنيا بقلبه، و يحرم عليه كل شيء إلا مناجاة ربه و توجهه إلى قبلته في ذلك الحين، و هو بيت المقدس، و رفع إلى السماء كما يرفع المصلّى يديه إشارة إلى القبلة العليا، و هو البيت المعمور و إلى جهة عرش من يناجيه و يصلى له سبحانه و تعالى.
[١] يعاندون و يعصون.