نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٤٣ - الفصل الرابع في الإسراء به
عبد اللّه بن الزبير: لما حجّ معاوية حججنا معه، فلما طاف بالبيت صلّى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم و هو خارج إلى الصفا، فقال: انزع لى منها دلوا يا غلام، قال: فنزع له منه دلوا فأتى به فشرب و صبّ على وجهه و رأسه، و هو يقول: «زمزم شفاء، و هى لما شرب له» قال الحافظ: إسناده حسن، و هو أحسن من كل إسناد وقفت عليه لهذا الحديث، و قد جرّبه جماعة من العلماء و الأئمة فوجدوه صحيحا.
و أما ما يذكر على بعض الألسنة من أن فضيلته ما دام في محله فإذا نقل تغيّر، فقال الحافظ السخاوي: إنه شيء لا أصل له؛ فقد كتب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى سهيل بن عمرو: «إن جاءك كتابى ليلا فلا تصبحن، أو نهارا فلا تمسين حتّى تبعث إليّ بماء زمزم»، فبعث له بمزادتين، و كان حينئذ بالمدينة قبل أن تفتح مكة.
و حملته عائشة رضى اللّه عنها في القوارير، و قالت: حمله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الأداوى و القرب، و كان يصبّ منه على المرضى و يسقيهم، و كذا حمله الحسن و الحسين رضى اللّه عنهما، و نقله جائز باتفاق الأئمة الأربعة [١].
و في ماء زمزم خواص منها: أنه لا يرفع و لا يغور إذا رفعت المياه و غارت قبل يوم القيامة، و منها أنه يذهب الصداع و يبرد الحمّي.
قال القسطلاني: «و قد وقع في شق صدره الشريف من الخوارق ما يدهش السامع؛ فسبيلك الإيمان و التسليم من غير أن تتكلف إلى التوفيق بين المنقول و المعقول، للتبرّى مما يتوهم أنه محال من: شق البطن، و إخراج القلب المؤديين إلى الموت لا محالة، و نحن بحمد الله لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق، إلا في الأمر المحال على القدرة». انتهي.
* ثم بعد طهارة باطنه و ظاهره بالوضوء، لمناسبة شهود الحضرة القدسية، أتى بالبراق مسرجا ملجما، (و هو دابة أبيض طويل، فوق الحمار و دون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، و هو مأخوذ من البرق لسرعة سيره، أرسله اللّه تعالى من الجنة إجلالا و تعظيما، على عادة الملوك إذا استدعوا عظيما بعثوا إليه النجيب [٢] مهيّا مع أعز خواصهم للحضور، فهو من عالم الغيب: لا
[١] انظر المقاصد الحسنة للسخاوى ص ٣٥٨ ففيه تفصيل أوسع. و اللّه أعلم.
[٢] فى اللغة: الفاضل على مثله النفيس في نوعه.