نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٢٩ - * و أما الهجرة الثانية
* و كلّ نعيم لا محالة زائل* فقال عثمان: كذبت؛ نعيم الجنة لا يزول. فقال لبيد: يا معشر قريش، و الله ما كان يؤذيكم جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟! فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه، فمن سفاهته فارق ديننا، فلا تجدنّ في نفسك من قوله. فردّ عليه عثمان، فقام ذلك الرجل فلطم عينه، و الوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما و اللّه يا ابن أخي إن كانت عينك عمّا أصابها لغنية؛ و لقد كنت في ذمّة منيعة فخرجت منها، و كنت عن الّذي لقيت غنيّا.
فقال عثمان رضى اللّه عنه: بل كنت إلى الّذي لقيت فقيرا، و اللّه إن عينى الصحيحة التى لم تلطم لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في اللّه عز و جل، ولى فيمن هو أحب إليّ منكم أسوة، و إنى لفى جوار من هو أعزّ منك و أقدر يا أبا عبد شمس. فقال له الوليد: هلم يا ابن أخي إن شئت إلى جوارك فعده. فقال: لا.
و صار الأمر يشتد على أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) القادمين لقصد مكة من الهجرة الأولى و غيرهم، وسطت بهم عشائرهم و لقوا منهم أذى شديدا، فأذن لهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الهجرة إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فخرج ابن مسعود و معه عدد كثير من الناس، فكانت خرجتهم الثانية أعظم مشقة، و لقوا من قريش تعنيفا شديدا، و نالوهم بالأذي، و اشتدّ على قريش ما بلغهم عن النجاشى من حسن جواره للمهاجرين، فقال عثمان بن عفان: يا رسول اللّه فهجرتنا الأولى و هذه الآخرة، و لست معنا؟ فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): أنتم مهاجرون إلى اللّه و إليّ، لكم هاتان الهجرتان جميعا، قال عثمان: فحسبنا يا رسول اللّه.
و بهذه الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، كانت عدة من بأرض الحبشة من المهاجرين مائة نفس و واحدا، إن حسب عمار بن ياسر فيهم؛ الذكور منهم ثلاثة و ثمانون، و الإناث ثمان عشرة.
و خرج أبو بكر رضى اللّه عنه مهاجرا إلى الحبشة حتّى بلغ موضعا يقال له:
«برك الغماد» (بفتح الباء و كسرها، و الغماد بكسر الغين المعجمة و ضمها: محل فى أقاصى هجر أو باليمن، و يقال: هو مدينة الحبشة). ثم رجع أبو بكر في جوار سيد القارة (اسم قبيلة، و منهم مسعود بن ربيعة القاري) مالك بن الدغنة.
فلما رأت قريش استقرار المهاجرين في الحبشة و أمنهم أرسلوا فيهم إلى النجاشى عمرو بن العاص و عبد الله بن أبى ربيعة بهدايا و تحف من بلادهم،