نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٢٨ - * و أما الهجرة الثانية
اللائق بمقامهم هو الجدير بالقبول و المطابق للحق عند المحققين في فن الكلام من المتكلمين، كالإمام شرف الدين التلمساني، و كالإمام السنوسى المغترف من بحر اللّه.
و قد سبق الكلام على أنّ مدح أصنام المشركين لا ذكر له في سورة «و النجم»، و أن هذا إلقاء من الشيطان في قلوبهم ليجادلوا به.
* و أما الهجرة الثانية:
فإنه لما تبيّن للمشركين عدم ذكر آلهتهم، غضبوا و رجعوا إلى العداوة أشد من الأوّل، فلما بلغ ذلك القادمين حين دنوهم من مكة، و كانوا قد خرجوا في رجب إلى الحبشة، و أقاموا بها شعبان و رمضان، و قدموا في شوّال كما سبق، لم يدخل أحد منهم إلا بجوار مجير أو مستخفيا، إلا عبد اللّه بن مسعود، فإنه دخل بدون جوار أحد، ثم خرج و هاجر.
و ممن دخل في الجوار عثمان بن مظعون؛ فإنه دخل بجوار الوليد بن المغيرة، و كان قد اشتد الحال على من قدم مكة و لم يدخل في الجوار، حتى أن عشائره تفعل به الأذى الشديد، فلما وجد عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من البلاء، و هو يغدو و يروح في أمان الوليد بن المغيرة، قال:
و اللّه إنّ غدوّى و رواحى أمنا بجوار رجل من أهل الشرك، و أصحابى و أهل دينى يلقون من البلاء و الأذى في اللّه ما لا يصيا بني، لنقص كبير في نفسي».
فمشى إلى الوليد فقال: يا أبا عبد شمس، وفت ذمّتك، و قد رددت إليك جوارك، قال: لم يا ابن أخي، لعله اذاك أحد من قومى و أنت في ذمتى فأكفيك ذلك؟
قال: لا و الله ما اعترض لى أحد، و لا اذاني، و لكنى أرضى بجوار الله عز و جل، و لا أريد أن أستجير بغيره. قال: انطلق إلى المسجد فاردد لى جوارى علانية كما أجرتك علانية. فانطلقا حتّى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري، فقال عثمان: صدق، قد وجدته وفيّا كريم الجوار، و لكنى لا أستجير بغير اللّه عز و جل، قد رددت عليه جواره. فقال الوليد:
أشهدكم أنّى بريء من جواره إلا أن يشاء. ثم انصرف عثمان و لبيد بن ربيعة بن مالك في مجلس من قريش ينشدهم قبل إسلامه، فجلس عثمان معهم، فقال لبيد:* ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل* فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد: