نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٢٧ - مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية
الشيء و لا يفعله، فقال أبو بكر بن العربي: «لا أصل له» [١].
و أما السهو فممتنع عليهم في الأخبار البلاغية، كقولهم: الجنة أعدّت للمتقين، و عذاب القبر حق، و غير البلاغية: كقام زيد و قعد عمرو، و هكذا، و جائز عليهم السهو في الأفعال البلاغية و غيرها كالسهو في الصلاة للتشريع، لكن لم يكن سهوهم ناشئا عن اشتغالهم بغير ربهم، و لذلك قال بعض الشعراء:
يا سائلي عن رسول اللّه كيف سها * * * و السهو عن كل قلب غافل لا هى
قد غاب عن كل شيء سرّه فسها * * * عمّا سوى اللّه، فالتعظيم للّه
و من السهو الفعلى حديث ذى اليدين لمّا قال له: «أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللّه؟» حين سلّم من ركعتين، فقال: «كلّ ذلك لم يكن». فقال ذو اليدين:
بل بعض ذلك كان» فقوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «كل ذلك لم يكن» لم يخل عن مطابقة الخبر للواقع بحسب اعتقاده (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قول ذى اليدين: «بل بعض ذلك كان» فيه مطابقة الخبر للواقع بحسب ما راه، و كل ذلك للتشريع و تعريف سجود السهو.
و أما النسيان فهو ممتنع في البلاغيات قبل تبليغها قولية كانت أو فعلية؛ فالقولية كالجنة أعدت للمتقين، و الفعلية كصلاة الضحى، إذ أمر بها ليقتدى به فيها، فلا يجوز نسيان كل منهما قبل تبليغ الأولى بالقول، و الثانية بالفعل، و أما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر من الله [٢].
و أما نسيان الشيطان فيستحيل عليهم؛ إذ ليس للشيطان عليهم سبيل، و قول يوشع: وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [الكهف: ٦٣] فكان قبل نبوته و علمه بحال نفسه، و إلا فهو رحماني.
و بالجملة فيجوز على ظواهر الأنبياء ما يجوز على البشر، مما لا يؤدى إلى نقص، و أما بواطنهم فمنزهة عن ذلك، متعلقة بربهم؛ هذا تحقيق المقام، فالتأويل
[١] الواقع أن هذا الحديث صحيح: رواه أئمة الحديث، و على رأسهم الإمام البخارى رضى اللّه عنه و عنهم، و ليس في هذا مطعن فيه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؛ فإن الّذي حدث خيال و ليس بحقيقة، و للحديث شاهد من قصة سيدنا موسى (عليه الصلاة و السلام)، في قوله تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه: ٦٦] و شتان بين الخيال و الواقع، و اللّه تعالى أعلم.
[٢] يحكم كل ذلك قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الحديث الصحيح: «إنى لا أنسي، و لكنى أنسّى لأسنّ».