نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١١٣ - مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية
قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد عمر بن الخطاب الّذي صبأ، فقال: لا سبيل إليه فأنا له جار»، فكرّ الناس و تصدّعوا عنه» (*).
و كان ابن مسعود يقول: ما كنّا نقدر أن نصلّى عند الكعبة حتّى أسلم عمر رضى اللّه عنه. و قال أيضا: كان إسلامه فتحا، و هجرته نصرا، و إمامته رحمة.
و روى ابن شريح بن عبيد عنه أنه قال: خرجت أتعرّض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوجدته قد سبقنى إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة «الحاقة» فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال: فقلت هذا و اللّه شاعر كما قالت قريش. قال: فلما قرأ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ قال: قلت كاهن، كأنه علم ما فى نفسى فقرأ: وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) [الحاقة: ٤٢، ٤٣] إلى اخر السورة، فوقع الإسلام في قلبى كل موقع». و لعل واقعة سماع القرآن تعددت قبل إسلامه.
[مسألة الغرانيق و ما سمّوه الآيات الشيطانية]:
و لما قرأ (صلّى اللّه عليه و سلّم) سورة «و النجم» (و كان يرتل قراءته) فلما بلغ أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى (١٩) وَ مَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٣٠) [سورة النجم ١٩: ٢٠] ارتصده الشيطان فى سكتة من سكتاته، فألقى عندها: [تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجي] محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنّها من قول النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أشاعها، فوقعت في قلب كل مشرك بمكة، و ذلت منها ألسنتهم و تباشروا بها، و قالوا: إن محمدا قد رجع إلى ديننا. فلما بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) اخر سورة النجم [١] سجد و سجد معه كل مشرك غير الوليد بن المغيرة، كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود، ملأ كفه ترابا سجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما في السجود بسجود النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و عجب المسلمون بسجود المشركين معهم، و لم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان، كما قاله موسى بن عقبة، و أما المشركون فاطمأنوا إلى رسول اللّه
* انظر فتح البارى باب إسلام عمر: ح ٣٨٦٤ ص ٢٢٤ ج ٧٢. و في سيرة ابن هشام خبر قريب مع اختلاف القصة و هو أن قتالا وقع بين عمر و قريش في الكعبة فتكاثروا عليه، فأجاره خاله العاص بن وائل (و انظرها في سيرة ابن هشام) (إسلام عمر بن الخطاب).
[١] الآية ٦٢ قوله تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَ اعْبُدُوا.