نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز - رفاعة رافع الطهطاوي - الصفحة ١٠٤ - الفصل الأوّل فى رسالته
و كان عمره إحدى عشرة سنة، ثم زيد بن حارثة. قال الثعلبي: إجماع العلماء أن أوّل من أسلم من الرجال أبو بكر، و من الصبيان علي، و من النساء خديجة، و من الموالى زيد بن حارثة مولى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و كان قد تبناه و صار يقال له: زيد بن محمد، و لم يذكر في القرآن أحد من الصحابة باسمه إلا هو، كما أنه لم يذكر امرأة باسمها في القرآن إلا مريم. و أوّل من أسلم من العبيد الباقين على الرق: بلال المؤذن، فأول فائز بالإسلام من الرجال الصدّيق على التحقيق، و إن قال شيخ الإسلام السراج عمر البلقينى و تبعه الحافظ العراقي: إن أول من آمن به من الرجال ورقة بن نوفل؛ لنزول الوحى على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حياته، و إيمانه بالنبى و تصديقه برسالته صريحا [١] أى بعدها بناء على أنهما متقارنان، أو قبلها لعلمه من الكتب القديمة كما جاء في أحاديث قصة بدء الوحى و غيرها في الصحيح و غيره، و إن مشى على ذلك أيضا جماعة من الأئمة، و عدّوه في الصحابة.
و اتسع الإسلام بعد أن أسلم أبو بكر: فأسلم عثمان بن عفان، و طلحة، و الزبير، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبى وقاص، فهؤلاء الخمسة دعاهم أبو بكر فأجابوا، ثم أسلم أبو عبيدة (عامر بن الجراح)، و عبيدة بن الحارث، و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزي، و هو ابن عم عمر بن الخطاب، و عبد اللّه بن مسعود، و عمّار بن ياسر، فهؤلاء هم الذين سبقوا الناس إلى الإسلام.
و أوّل ما وجب الإنذار و الدعاء إلى اللّه بالتوحيد بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ، أقام (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد ذلك ثلاث سنين يدعو إلى اللّه سرّا- لعدم الأمر بالإعلان، و كان لا يظهر دعوته إلا لمن يثق به، و تبعه ناس عامّة ضعفاء من الرجال و النساء، كما يشير إلى ذلك حديث: «إن هذا الدين بدأ غريبا و سيعود غريبا كما بدأ» [٢] حتى أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، و خرج معه
[١] قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «رأيت القسّ في الجنة عليه ثياب حرير» يعنى ورقة. رواه الديلمى في مسند الفردوس.
[٢] رواه ابن عساكر بلفظ: «بدأ الإسلام غريبا ثم يعود غريبا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء الذين يصلحون عند فساد الناس ...» إلخ الحديث، و هو حديث طويل.