الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٤ - عاقبة فرعون و أتباعه الوخيمة
مليون». [١] تحركوا في جوف الليل ليدركوهم بسرعة، فبلغوهم صباحا كما تقول الآية الأولى من الآيات محل البحث: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [٢] فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ.
فأما منا بحر خضم متلاطم بالأمواج، و من ورائنا بحر من الجيوش المتعطشة للدماء بتجهيزاتها الكاملة ... هؤلاء الغاضبون علينا و هم الذين قتلوا أطفالنا الأبرياء سنين طوالا ... و فرعون نفسه رجل دموي جبار ... فعلى هذا سيحاصروننا بسرعة، و يقتلوننا جميعا بحدّ السيوف، أو سيأسروننا و يعذبوننا، و القرائن جميعها تدل على ذلك.
و هنا مرّت لحظات عسيرة على بني إسرائيل ... لحظات مرّة لا يمكن وصف مرارتها ... و لعل جماعة منهم تزلزل إيمانهم و فقدوا معنوياتهم و روحياتهم.
إلّا أنّ موسى عليه السّلام كان مطمئنا هادئ البال، و كان يعرف أن وعد اللّه في هلاك فرعون و قومه و نجاة بني إسرائيل لا يتخلف أبدا و لن يخلف اللّه وعده رسله! ...
لذلك التفت إلى بني إسرائيل الفزعين بكمال الاطمئنان و الثقة و قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ.
و لعلّ هذا التعبير يشير إلى وعد اللّه لموسى و أخيه هارون حين أمرهما بإنذار قومهما، إذ قال لهما: إني معكما أسمع و أرى. [٣] إذ كان موسى يعلم أن اللّه معه في كل مكان، و خاصّة تعويله في كلامه على كلمة (ربّي) أي اللّه المالك و المربّي هذا يدل على أنّ موسى عليه السّلام كان يدري أنّه
[١]- كلمة مليون و أخواتها (مليار، بليون إلخ) من مصطلحات العصر و هي غير عربية، و كان العرب يقولون ألف ألف.
[٢]- قال بعض المفسّرين: المراد من «مشرقين»، أن بني إسرائيل ساروا نحو الشرق، و اتّباع فرعون و قومه بالاتجاه نفسه، لأنّ بيت المقدس يقع شرق مصر!
[٣]- سورة طه، الآية ٤٦.