الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٥ - الصفات الخاصّة لعباد الرحمن
حرّموا على أنفسهم لذة النوم، و نهضوا إلى ما هو ألذّ من ذلك، حيث ذكر اللّه و القيام و السجود بين يدي عظمته عزّ و جلّ، فيقضون شطرا من الليل في مناجاة المحبوب، فينورون قلوبهم و أرواحهم بذكره و باسمه.
و رغم أن جملة «يبيتون» دليل على أنّهم يقضون الليل بالسجود و القيام إلى الصباح، لكن المعلوم أنّ المقصود هو شطر كبير من الليل، و إن كان المقصود هو كل الليل فإنّ ذلك يكون في بعض الموارد.
كما أن تقديم «السجود» على «القيام» بسبب أهميته، و إن كان القيام مقدّم على السجود عمليا في حال الصلاة. [١] الصفة الرّابعة لهم هي الخوف من العذاب الإلهي وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً. أي شديدا و مستديما. إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً.
و مع أنّهم مشتغلون بذكر اللّه و عبادته في الليالي، و يقضون النهار في إنجاز تكاليفهم، فإنّ قلوبهم أيضا مملوءة بالخوف من المسؤوليات، ذلك الخوف الباعث على القوّة في الحركة أكثر و أفضل باتجاه أداء التكاليف، ذلك الخوف الذي يوجه الإنسان من داخله كشرطي قوي، فينجز تكاليفه على النحو الأحسن دون أن يكون له آمر و رقيب، في ذات الوقت الذي يرى نفسه مقصرا أمام اللّه.
كلمة «غرام» في الأصل بمعنى المصيبة، و الألم الشديد الذي لا يفارق الإنسان. و يطلق «الغريم» [٢] على الشخص الدائن، لأنّه يلازم الإنسان دائما من أجل أخذ حقّه.
و يطلق «الغرام» أيضا على العشق و العلاقة المتوقدة التي تدفع الإنسان بإصرار باتجاه عمل أو شيء آخر، و تطلق هذه الكلمة على «جهنم» لأنّ عذابها
[١]- ينبغي الانتباه إلى أنّ «سجدا» جمع «ساجد»، و قياما» جمع «قائم».
[٢]- تطلق «الغريم» على «الدائن» و «المدين» أيضا. (لسان العرب مادة غرم).