الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٤ - الصفات الخاصّة لعباد الرحمن
حيال هذا العالم الكبير، حتى و إن كانت رقبته كالجبال، فإن أعلى جبال الأرض أمام عظمة الأرض أقل من تعرجات قشر (النارنج) بالنسبة إليها، تلكم الأرض التي هي نفسها لا شيء بالنسبة إلى الأفلاك العظيمة.
ترى أ ليست هذه الحالة من الكبر و الغرور، دليلا على الجهل المطلق!؟
نقرأ في حديث رائع عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أنّه كان يعبر أحد الأزقة يوما ما، فرأى جماعة من الناس مجتمعين، فسألهم عن سبب ذلك فقالوا: مجنون شغل الناس بأعمال جنونية مضحكة،
فقال: رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أ تريدون أن أخبركم من هو المجنون حقا، فسكتوا و أنصتوا بكل وجودهم فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «المتبختر في مشيه، الناظر في عطفيه، المحرك جنبيه بمنكبيه، الذي لا يرجى خيره و لا يؤمن شرّه، فذلك المجنون، و هذا مبتلى!».
الصفة الثّانية ل «عباد الرحمن» الحلم و الصبر، كما يقول القرآن في مواصلته هذه الآية وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً.
السّلام الذي هو علامة اللامبالاة المقترنة بالعظمة، و ليس الناشئ عن الضعف.
السّلام دليل عدم المقابلة بالمثل حيال الجهلة الحمقى، سلام الوداع لأقوالهم غير المتروية، ليس سلام التحية الذي هو علامة المحبة و رابطة الصداقة.
و الخلاصة، أنه السّلام الذي هو علامة الحلم و الصبر و العظمة.
نعم، المظهر الآخر من مظاهر عظمتهم الروحية، هو التحمل و سعة الصدر اللذين بدونهما سوف لا يطوي أي إنسان طريق «العبودية للّه» الصعب الممتلئ بالعقبات، خصوصا في المجتمعات التي يكثر فيها الفاسدون و «مفسدون» و جهلة.
و تتناول الآية الثّانية، خاصيتهم الثالثة التي هي العبادة الخالصة للّه، فيقول تعالى: وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً.
في عتمة الليل حيث أعين الغافلين نائمة، و حيث لا مجال للتظاهر و الرياء،