الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٠ - لا تتركوا النبيّ وحده!
تقول: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً.
إن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند ما يدعوكم للاجتماع، فإنه لا بدّ من أن يكون لمسألة إلهية مهمّة، لهذا يجب عليكم الاهتمام بدعوته، و الالتزام بتعاليمه، و ألّا تهملوها، فأمره من اللّه و دعوته منه سبحانه و تعالى.
ثمّ تضيف الآية قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
«يتسللون» مشتقّة من «تسلل»، و تعني سحب الشيء من موضعه، كأنّ يقال:
سلّ السيف من غمده. كما يطلق على الذين يفرون سرّا من مكان تجمع محدد لهم، كلمة «متسللون».
«لواذا» مشتقّة من «ملاوذة» بمعنى الاختفاء، و تعني هنا اختفاء البعض وراء البعض أو خلف جدار، أو بتعبير آخر: استغفال الآخرين ثمّ الفرار من مكان تجمعهم، و هذا ما كان يقوم به المنافقون حينما يوجه الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الدعوة للجهاد أو لأمر مهم آخر، يقول لهم القرآن المجيد: «إنّ عملكم النفاقي هذا إن خفي على الناس فإنّه لا يخفى على اللّه، و سيعاقبكم على هذه الأعمال و مخالفتكم لاوامر الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الدنيا و الآخرة».
ماذا يقصد به «فتنة» هنا؟ قال بعض المفسّرين: إنّها القتل، و آخرون قالوا: إنّها تعني الضلال، كما قال بعضهم: إنّها السلطان الظالم، و قيل: إنّها بلاء النفاق الذي يتوغل في قلب الإنسان.
كما يحتمل أن تعني الفتنة الفتن الاجتماعية و مشاكلها، و أن يسود الهرج و المرج في المجتمع، و ابتلائه بالهزيمة، و سائر الفتن الاخرى التي يبتلى بها المجتمع في حالة عصيانه أوامر قائده.
و على كلّ حال فالفتنة ذات مفهوم واسع يضمّ جميع هذه الأمور و غيرها، مثلما يضمّ العذاب الأليم عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة أو كليهما.