الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨١ - ٩- آفاق الوحدة
فذكر تعالى أنّ للقرآن وجوداً علوياً غيبياً غير ما تنزّل منه، لا يصل إلى حقيقته وحقائق ذلك الوجود غير المطهّرين- بصيغة الجمع- من هذه الأُمّة، وهم الموصوفون بالطهارة في قوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» [١].
و كذلك قال تعالى: «وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ» [٢].
و قد اعترف الفخر الرازي- وإن لم تكن أهمّية لاعترافه فأهمّية القرآن ذاتية- أنّ الآية دالّة على وجود شخص في زمن لا يزل ولا يخطأ يكون شاهداً على أُمّة كلّ قرن [٣]، و إلّافكيف يكون شاهداً وهو مشهود عليه بالذنب أو الضلالة؛ كما تبيّن الآية من سورة العنكبوت: «بَلْ هُوَ- أي الكتاب أو القرآن- آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ» [٤] ومثله قوله تعالى في سورة الرعد: «قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» [٥] وغيرها من آيات الثقلين وأنّهما مقترنان معاً لا يفترقان.
والحاصل أنّ آية الاعتصام تنبّأ بملحمة مهمّة، وهي: أنّ ضعف وذلّ هذه الأُمّة لفرقتها لا يزول بغير الاعتصام بحبل اللَّه، وهما الثقلان: الكتاب والعترة، وبذلك تتحقّق الوحدة. وقد أشارت الصدّيقة الزهراء عليها السلام بنت المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم إلى هذه الملحمة القرآنية في خطبتها:
فجعل الإيمان تطهيراً لكم من الشرك ... وطاعتنا نظاماً للملّة وإمامتنا أماناً
[١] . الأحزاب/ ٣٣.
[٢] . النحل/ ٨٩.
[٣] . انظر: التفسير الكبير- ذيل الآية ٨٩ من سورة النحل.
[٤] . العنكبوت/ ٤٩.
[٥] . الرعد/ ٤٣.