الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٤٥ - عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في التدبير
فمفاد الآية في الأصل يبيّن عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في تدبير حكومته، وفي الموضوعات؛ إذ أنّ صدرها: وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا [١].
ومورد الآية:: في ما يرتبط بالوضع الأمني للمسلمين من التهديدات المحدقة بهم، وما يرتبط بالنظام العام، سواء الجانب العسكري، أو الاقتصادي، أو السياسي.
والخطاب في الآية: إنّ تدبير الحالة الأمنية ومعالجتها إذا فُوِّض إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى أُولي الأمر لعلم الرسول وأُولو الأمر وجه التدبير الصالح لذلك.
ولم تعبّر الآية بالظنّ، بل بالعلم؛ وهذا يقضي باطّلاع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإحاطته بملابسات الظروف الخارجية والموضوعات، ومن ثمّ يعصم نظام المسلمين عن اتّباع الشيطان بهداية وتدبير الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
فالتعليل في ذيل الآية شاهد على أنّ المراد من العلم هو معناه الحقيقي، لا المجازي بمعنى الظنّ، وإلّا فالظنون تُخطئ وقد لا تصيب الواقع؛ فيُتّبع سبيل الردى بدل الهدى.
مضافاً إلى أنّ من كان مصدره ومنبعه الظنّ فهو لا يحيط بكلّ الأُمور، وبكلّ واردة وشاردة، والحال أنّ الآية عامّة لكلّ الأُمور التي تعتور وتواجه النظام العام.
ونسق التعليل في الآية مماثل لنسق التعليل الوارد في سورة الحجرات، التي صُدّرت بالنهي عن التقدّم بين يدي الله ورسوله، ثمّ النهي عن إصابة قوم بجهالة من دون تبيّن، ثمّ قال تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ* فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ نِعْمَةً وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [٢].
والآية هذه تتناغم وتتماثل مع الآية في سورة النساء: أنّ الهداية والرشد
[١] سورة النساء ٨٣: ٤.
[٢] سورة الحجرات ٧: ٤٩ و ٨.