الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣١٤ - الوحدة وحديث الفرقة الناجية
ذلك لا يعدو الأحكام بحسب ظاهر الإسلام في النشأة الدنيوية، إلّاأنّها مفترقة بحسب واقع الإسلام والإيمان الذي به النجاة الأُخروية؛ فهناك ديانة بحسب إقرار اللسان تترتّب عليها أحكام المواطنة في النظام الاجتماعي السياسي، وهناك ديانة بحسب القلب والأعمال تترتّب عليها أحكام الآخرة من النجاة من النار وإعطاء الثواب.
وهذه الأُمور المستفادة من الحديث الشريف المتواتر إنّما هي بلحاظ الإنسان البالغ العاقل المكلّف، الذي قد اجتمعت فيه شرائط التكليف، أمّا الصبي والمجنون والجاهل القاصر أو المعتوه أو الأبله وحديث العهد بالإسلام ونحوهم ممّن لم تقم عليه الحجّة و تتمّ شرائط التكليف لديه، فهم معذورون، وعاقبة المعذور- كما سيأتي- موقوفة على المشيئة الإلهية الأُخروية، التي فُسّرت في الروايات بإقامة امتحان إلهي له يوم القيامة إن أطاع فيه نجا وإن عصى هلك.
وقد أُطلق على أفراد المعذور في الكتاب والسُنّة عدّة تسميات، ك: «الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا» [١]، و «مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ» [٢]، و «أَصْحابُ الْأَعْرافِ» [٣]، و الّذين «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً» [٤]، و «الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» [٥]، وأُطلق عليهم أيضاً: «الضلّال»، بمعنى: الضالّ «القاصر»؛ إذ هذا أحد معانيه، وإلّا فهو يطلق على «المقصّر» المخلّد في النار أيضاً ..
لذلك لا مفرّ لهذا الإنسان- المكلّف المختار- ولا مخلص ولا نجاة له إلّابالفحص عن الفرقة الناجية من فرق المسلمين، وليس له أن يتعامى عن عمد ويسلك طريق الضلال والغواية ويرجو مع ذلك النجاة، كما أنّ البحث الجادّ بين فرق المسلمين في إطار الوحدة لا بُدّ أن يُتحرّى فيه- بمقتضى الحديث الشريف والتوصية النبوية- عن الحقّ الذي
[١] . النساء/ ٩٨.
[٢] . التوبة/ ١٠٦.
[٣] . الأعراف/ ٤٨.
[٤] . التوبة/ ١٠٢.
[٥] . التوبة/ ٦٠.