الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٢٦ - حذيفة و أمير المؤمنين عليّ عليه السلام أعلم الناس بالمنافقين
يقاتل المنافقين وإنّما كان يتألّفهم؛ لأنّ المنافقين لا يُظهرون الكفر، وعلْم اللَّه تعالى بكفرهم لا يبيح قتلهم إذا كانوا يُظهرون الإيمان. فعلى هذا التفسير كان صلى الله عليه و آله و سلم مأموراً بأن يستبقيهم ويجاهد بهم الكفار.
ثمّ أنّه من الغريب من ابن سعد أنّه يروي أنّهم ليسوا من قريش، بل من الأنصار وحلفائهم، ويروي- في الوقت نفسه- أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لم يخبر بأسمائهم غير حذيفة، فكيف نفى كونهم من قريش؟! والغريب منه أيضاً نفي كونهم من حلفاء قريش؛ إذ نسبهم إلى الأنصار وحلفائهم خاصّة.
ولا غرابة في ذلك؛ فإنّ أصحاب السقيفة لم يواجههم في السقيفة إلّاالأنصار وحلفاؤهم- إلّاالقليل- ولم يعقد البيعة في السقيفة إلّاقريش وحلفائها.
ومنها: قوله صلى الله عليه و آله و سلم في الرواية الأُخرى المتقدّمة: «إنّي أكره أن تحدّث العرب بينها أنّ محمّداً قاتل بقوم حتّى إذا أظهره اللَّه بهم أقبل عليهم يقتلهم»؛ فإنّه صلى الله عليه و آله و سلم وصف هؤلاء الرهط بأنّهم: «قوم قاتل بهم» و: «أظهره اللَّه بهم»، ولو بنظر عامّة الناس وأذهان العرب، فهل هذا الوصف ينطبق إلّاعلى الخواصّ ممّن هاجر من الأوائل معه صلى الله عليه و آله و سلم.
و هو صلى الله عليه و آله و سلم قد بيّن أنّ عامّة أذهان الناس، التي تنظر إلى مجريات الأحداث بسطحية وتحكم عليها حسب ظواهرها لا حقيقتها، تستنكر الاقتصاص من هؤلاء الرهط ومعاقبتهم وفضحهم على الملأ؛ إذ كانوا قد أوجدوا- بحسب الظاهر- لأنفسهم مكانة واختصاص لدى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في أعين الناس، لدرجة كان يصعب معها كشف زيف هذه الصنيعة، ولم يكن من الهيّن واليسير بيان الحقيقة لعقول الناس القاصرة، التي لا تزن الأُمور حسب الواقع بل حسب الظواهر.
الثامنة: إنّ هؤلاء الرهط تميّزوا بأنّهم دعا صلى الله عليه و آله و سلم عليهم بأن يبتليهم اللَّه تعالى بالدبيلة، وسيأتي في روايات أُخرى كالتي أوردها صحيح مسلم وغيره أنّها تشير إلى تلك الجماعة.