الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٥٧ - تعدّد الحُكم عند أصحاب الوحي
تقصيرهم في معرفة حاكمية الله تعالى؛ فهم يقصرون حاكميّته على التشريع والتشريعات الكلّيّة، دون أن يتصوّروا أنّ لله تعالى حاكميّة سياسية، وتدبيرية، وقضائية، وعسكرية، بل يصوّرون الخالق تعالى ناظراً غير متصرّف في النظام السياسي الاجتماعي، وغاية ما في الباب أنّ الحاكم يكون بتشريع منه تعالى، لكن لا دخالة له على نحو التفصيل.
وهذا بخلاف مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)؛ فإنّ معتقدهم: أنّ الحاكم السياسي في الرتبة الأُولى هو الباري عزّ اسمه، حتّى في حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يستعرض سيرتها لنا القرآن الكريم ..
فإنّ موارد التشريع القضائي، والعسكري، والمالي، والسياسي، في آيات القرآن الكريم ليست أسباباً للنزول فقط، كما يقرأها مفسّرو أهل سُنّة الخلافة، بل هي موارد تنفيذية قد حصل فيها إنفاذ حاكمية الله تعالى ووقع إجراء تطبيقي إلهي، وتصرّف حكومي سياسي، أو قضائي، أو عسكري، أو مالي، أو غيرها في تلك الموارد، أي أنّ حاكمية الله تعالى امتدّت من التشريع، ولم تقتصر عليه إلى الحكم التنفيذي والقضائي والسياسي التطبيقي الإجرائي.
فأسباب النزول لآيات القرآن المتضمّنة للتشريع يجب أن لا تُقرأ كموارد مبيّنة للتشريع العام النازل في الآية فقط، بل يجب أن تُقرأ وتُفهم بمعنىً آخر أيضاً، على أنّها موارد برز وتنزّل ونفّذ فيها حاكمية تطبيقية تفصيلية منه تعالى.
ففي حكومة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، في موارد المنعطفات الخطيرة، يكون الحاكم الأوّل في شتّى مجالات الحكم التنفيذي هو الباري عزّ اسمه، والحاكم الثاني هو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
وهذا هو الحال في حاكمية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فإنّها بأقسام وأنماط متعدّدة مختلفة من الوحي الإلهامي، أو التسديدي، أو النفث في الروع أو التكليم، أو التوسّم، وغيرها ممّا سيأتي بعض الإشارة إليه، وغاية ما في الباب أنّ بين أقسام الوحي تعدّد وتنوّع، نظير: الفرق بين الوحي بالقرآن وبين الوحي بالحديث القدسي، مع أنّ كلاهما وحي وكلام الله تعالى، فكذلك هناك فرق بين الفريضة والسنّة في التشريع، مع كون كلًّا منهما من أقسام الوحي بالمعنى العام، الشامل