الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٢ - حال المسلمين في أُحد
به، متأوّلًا في ذلك ولا يدري أنّه عاصٍ، بل كان ظانّاً أنّ الأمر للندب مثلًا أو النهي لكراهة.
و قال اللَّه لنبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم: «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَ هُوَ مَكْظُومٌ* لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ» [١] أنّه غاضَبَ قومه ولم يوافق ذلك مراد اللَّه، فعوقب بذلك، وإنْ كان ظانّاً أنّ هذا ليس عليه فيه شيء، وهذا هو ما أراده اللَّه من نبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم حين نُهي عن مغاضبة قومه، وأُمر بالصبر على أذاهم، وأمّا إخبار اللَّه بأنّه استحقّ الذمّ والملامة لولا النعمة التي تداركه بها للبث معاقَباً في بطن الحوت [٢].
وذهب القاضي عياض في الشفا إلى جواز اجتهاد الأنبياء في الأُمور الدنيويّة فقط، مستدلّاً بحديث تأبير النخل [٣]. و قال كمال الدين ابن همام الدين الحنفي، المتوفّى سنة ٨٦١ ه، في كتاب التحرير: إنّ الرسول مأمور (بالاجتهاد مطلقاً) في الأحكام الشرعية والحروب والأُمور الدينيّة من غير تقييد بشيء منها [٤]. و قال ابن تيميّة في غير ما يتعلّق بالتبليغ: إنّ الأنبياء كانوا دائماً يبادرون بالتوبة والاستغفار عند الهفوة، والقرآن شاهد عدل، فهو لم يذكر شيئاً من ذلك عن نبيّ من الأنبياء إلّامقروناً بالتوبة والاستغفار [٥].
وقال الغزّالي في المستصفى:
المختار جواز تعبّده بذلك، لأنّه ليس بمحالٍ فيذاته، ولا يفضي إلى محال ومفسدة. فإنْ قيل: المانع منه أنّه قادر على استكشاف الحكم بالوحي الصريح، فكيف يرجم بالظنّ؟!؛ قلنا: فإذا استكشف فقيل له: حكمنا عليك أن تجتهد وأنت متعبّد به، فهل له أن ينازع اللَّه فيه، أو يلزمه أن يعتقد أنّ
[١] . القلم/ ٤٨ و ٤٩.
[٢] . انظر: الفصل ٢/ ٢٨٤- ٢٨٧ و ٣٠٣- ٣٠٤.
[٣] . الشفا ٢/ ١٣٦- ١٣٧.
[٤] . راجع تيسير التحرير- شرح محمّد أمين الحنفي على كتاب التحرير- ٤/ ١٨٥.
[٥] . انظر: منهاج السُنّة ٢/ ٣٩٦- ٤٠٣.