الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٧٥ - قريش وسياسة الاختراق
أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [١].
يا ابن عبّاس! ندبهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته بوحي من الله، يأمرهم بموالاتي، فحمل القوم ما حملهم ممّا حقد على أبينا آدم من حسد اللعين له، فخرج من روح الله ورضوانه، وألزم اللعنة لحسده لولي الله، وما ذاك بضارّي إن شاء الله شيئاً.
يا ابن عبّاس! أراد كلّ امرئ أن يكون رأساً مطاعاً، يميل إليه الدنيا وإلى أقاربه، فحمله هواه ولذّة دنياه واتّباع الناس إليه أن يغصب ما جعل لي، ولولا اتّقائي على الثقل الأصغر أن يُنبذ فينقطع، شجرة العلم، وزهرة الدنيا، وحبل الله المتين، وحصنه الأمين، ولد رسول ربّ العالمين، لكان طلب الموت والخروج إلى الله عزّ وجلّ ألذّ عندي من شربة ظمآن، ونوم وسنان)) [٢].
فبيّن (ع) أنّ قريشاً لمّا قرب إصعار الخدود وإتعاس الجدود، أي علموا بهزيمتهم في حربهم ومواجهتهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طمعوا في الاختراق والنفوذ؛ للاستيلاء على مقدّرات الأُمور بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثمّ حاولوا عدّة مرّات قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما في رجوعه من تبوك في العقبة وغيرها.
واتّخذت قريش أساليب متعدّدة للحرب الجديدة والأُسلوب المتطوّر مع الزيّ الحديث لبيئة الناس، وهي المواجهة من خلال أدوات هذا الدين الجديد لضرب شخصيّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبني هاشم، وذلك عبر الإزراء بشخصيّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والحطّ من قدره، والتنزيل من عظمته، وإثارة الشكوك حول عصمته، والنيل من حكمته، والطعن في هديه وسيرته، وفي المقابل أخذوا يصنعون ويبنون لأنفسهم رموزاً ينسجون لها ألبسة يتطاولون فيها على مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن عبر أُسلوب ملتو ولحن القول، ورفع شعار الحمية للدين، تقديماً على الله ورسوله.
واستمرّت السياسة الجديدة لقريش بهذا الأُسلوب حتّى كتبت أقلام بني أُميّة سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كتابة بأقلام مأجورة ملؤها الإزراء بشخصيّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتسافل بشؤون الوحي الإلهي، والعبث بشأن الرسالة السماويّة، وكذلك الحال في
[١] سورة التوبه ٣٢: ٩.
[٢] بحار الأنوار ٢٩/ ٥٥٢- ٥٥٤؛ ورواه ابن طاووس في اليقين: ٣٢١- ٣٢٢.