الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٥٥ - تعدّد الحُكم عند أصحاب الوحي
ولا لأجل حاجة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) لحلومهم وعقولهم وخبراتهم! كيف وهو قد أُوحي إليه الكتاب المبين، الذي لا يغادر مثقال ذرّة في السماوات والأرض، ولا أصغر ولا أكبر من ذلك إلّا فيه، وهو المورّث لأهل بيته هذا الكتاب المكنون وفي اللوح المحفوظ؟!
وقد شكّك الطبري أنّه: كيف يؤمر النبيّ باتّباع الشورى مع أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) غنيّ عن المسلمين بالوحي [١]؟!
وذكر فوائد الشورى من: اقتداء الأُمّة به (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتأليف قلوبهم؛ ونقل ذلك عن: قتادة، وابن إسحاق، والربيع، والضحّاك، والحسن البصري.
وذكر الزمخشري في ذيل الآية أنّه: لئلّا يثقل على العرب استبداده (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرأي دونهم [٢].
وقد رووا عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال بعد نزول الآية: ( (أما إنّ الله ورسوله لغنيّان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأُمّتي، مَن استشار منهم لم يُعدم رشداً، ومَن تركها لم يُعدم غيّاً)) [٣].
ومفاد الحديث جامع في المعنى، وما تقدّم كالشرح له.
وأمّا استشهادهم بما أراده (صلى الله عليه وآله وسلم) من إعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة عندما أراد أن يوقّع الصلح مع عيينة بن حصن والحارث بن عوف، على أن يرجعا بمَن معهما عنه وعن أصحابه في معركة الأحزاب- الخندق- وأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر لهما ذلك واستشارهما، فقالا: يا رسول الله! أمراً نحبّه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به لا بُدّ لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلّا لأنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كلّ جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما.
[١] جامع البيان- الطبري- سورة آل عمران ج ٤/ ١٠١.
[٢] الكشّاف ١/ ٢٤٢.
[٣] الشورى بين النظرية والتطبيق: ٢٧- ٣٠.