الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٥٤ - تعدّد الحُكم عند أصحاب الوحي
مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [١].
فمشاورته لهم تندرج في تزكيته وتعليمه لهم؛ إذ أنّ المشورة تعني: الفحص عن المعلومات، وملابسات الأشياء، ووجوه الأُمور، وهي عبارة عن التوصية بجمع المعلومات، وتحريّ الوصول إلى الحقيقة والواقع من الجهات العديدة، نظير: ( (أعْلَم الناس مَن جمع علوم الناس إلى علمه)) [٢] و: أعْقَل الناس مَن جمع عقول الناس إلى عقله ..
أي: الاستشارة الخبروية، لا تحكيم رأي الأكثرية بصفة الكثرة، بل المدار: الصواب، ولو كان عند واحد ذي خبرة عالية.
فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) يربّي المسلمين على سُنّة الاستشارة وتمحيص الرأي في أُمورهم وتدبيرهم، مضافاً إلى ما في ذلك من جلب تفاعلهم مع الأحداث، والقيام بالمسؤولية، ولتمييز الناصح من الخاذل المتخاذل في العلن وأمام الناس، ولتنكشف النوايا والخبايا، ولتتكوّن بصيرة لدى القاعدة من عموم الناس.
كما في استشارته (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه قبل واقعة بدر، عندما أفلتت عير قريش، فقام الأوّل وأظهر الخوف من قتال قريش، فأجلسه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ قام الثاني فقال مثل صاحبه، فأجلسه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ قام المقداد وأظهر العزم على النصرة لقتال قريش، فشكره النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ طلب المشورة أيضاً ليرى مدى همّة الأنصار، فقام سعد بن معاذ فقال: كأنّك تريدنا؟! أي: الأنصار؛ لأنّهم أكثر المسلمين حينئذ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): نعم. فأظهر سعد العزم على النصرة، فحثّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حينها الناس على قتال قريش؟!
فيظهر من هذه المشورة من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن كان معه أنّها لجملة من الأغراض التربوية التي تقدّم شرحها، لا لأجل فحصه عن ما هو الصواب! كيف وقد أوحى الله تعالى إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ الظفر مقدّر له وللمسلمين في الحرب مع قريش؟!
[١] سورة آل عمران ١٦٤: ٣.
[٢] المحاسن ١/ ٣٦٠ ح ٧٧٣، الأمالي- للشيخ الصدوق-: ٧٣ ضمن ح ٤١، معاني الأخبار: ١٩٥ ضمن ح ١.