الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٥٦ - * الثانية المظاهرة بالمكيدة
إلى أن قال:- وفي طيّ هذين التمثيلين تعريض بأُمّي المؤمنين المذكورتين في أوّل السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه [وآله] وسلّم بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشدّه؛ لِما في التمثيل من ذكر الكفر ونحوه في التغليظ قوله تعالى: «وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ»، وإشارة إلى أنّ من حقّهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه كمثل هاتين المؤمنتين- أي: آسية ومريم- وأن لا تتّكلا على أنّهما زوجا رسول اللَّه؛ فإنّ ذلك الفضل لا ينفعهما إلّامع كونهما مخلصتين. و التعريض بحفصة أرجح؛ لأنّ امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول اللَّه، و أسرار التنزيل ورموزه في كلّ باب بالغة من اللطف والخفاء حدّ اًيدقّ عن تفطّن العالم، و يزلّ عن تبصّره ...
إلى أن قال:- فإن قلت: ما كانت خيانتهما؟ قلت: نفاقهما وإبطانهما الكفر، وتظاهرهما على الرسولين؛ فامرأة نوح قالت لقومه: إنّه مجنون، وامرأة لوط دلّت على ضيافته، ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور؛ لأنّه سمج في الطباع، نقيصة عند كلّ أحد، بخلاف الكفر، فإنّ الكفّار لا يستسمجونه بل يستحسنونه ويسمّونه حقّاً، وعن ابن عبّاس (رض): ما بغت امرأة نبيّ قط [١].
و قد ذكر الفخر الرازي هذا التساؤل بعينه، وقرّر أنّ الخيانة هي: النفاق وإخفاء الكفر، والتظاهر على الرسولين. و روى السيوطي في الدرّ، قال:
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج (رض) في قوله: «فَخانَتاهُما»، قال: كانتا كافرتين مخالفتين، ولا ينبغي لامرأة نبيّ أن تفجر [٢].
و لا يخفى على الناظر في ذيل السورة مقدار شدّة اللحن من التمثيل بزوجتي
[١] . الكشّاف ٤/ ٥٧١- ٥٧٢.
[٢] . الدرّ المنثور ٦/ ٢٤٥.