الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٥٦ - ١٠- محطّة الفتوحات
والحجاز، فكيف لا تطمع قريش في نصيب المستقبل لو قُدّر وقوعه؟! فكانت سياستها على نمطين: المواجهة المعلنة، والاختراق لصفوف المسلمين؛ لكي يعضد كلّ نمط النمط الآخر.
والقرآن الكريم يشير إلى حصول الاختراق في صفوف المسلمين منذ أوائل البعثة النبوية، نجد ذلك في رابع سورة نزلت على الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، وهي سورة المدّثر: «وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» [١].
فهذا التقسيم القرآني فاضح لوجود فئة: «الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» في أوساط المسلمين المؤمنين، وهم ليسوا من الكفّار في العلن بل في باطنهم مرض، وقد لاحق القرآن الكريم هذه الفئة وميّزها عن فئة المنافقين؛ إذ أنّ أهل النفاق لم يكونوا قد احترفوا الخفاء والسرية التامّة والدهاء الذي كانت تعتمده فئة «الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» في اختراق صفوف المسلمين ونظام الدين الجديد.
لاحَقَ القرآن هذه الفئة إلى آخر حياة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، وأشار إلى شبكة اتّصالاتهم مع الأطراف الأُخرى من الحزب القرشي والقبائل الأُخرى واليهود والنصارى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ ... فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ» [٢].
و في بدر: «إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ» [٣].
و في الخندق والأحزاب: «وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً» [٤].
[١] . المدَّثِر/ ٣١.
[٢] . المائدة/ ٥١- ٥٢.
[٣] . الأنفال/ ٤٩.
[٤] . الأحزاب/ ١٢.