الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٥٤ - ١٠- محطّة الفتوحات
المسلمين منذ السنوات الأُولى لبعثة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم؛ ففي الوقت الذي كان رؤساء قريش و غيرها قد اعتمدوا المواجهة المعلنة والمصادمة الشديدة لهذا الدين، لأنّ مصالحهم و مواقعهم القبلية مهدّدة بالخطر، اعتمدوا- في الوقت نفسه- سياسة الاختراق هذه، التي هي طريق طبيعي مألوف، في كلّ عصور البشر، بين أيّ قوّتين متدافعتين.
فأبو سفيان- وغيره من الحزب القرشي في مكّة- كان يقيم علاقة في أوائل الهجرة مع عبد اللَّه بن أبي سلول في المدينة، الذي أسلم في الظاهر وكان من رؤوس النفاق، ولم يقم مثل هذه العلاقة مع مَن أسلم في مكّة في الأيام الأُولى؛ لاختراق صفوف ونظام الإسلام والمسلمين، واعتماداً على هذه السياسة، تحسّباً لنتائج المستقبل من أنّ القوّة والسلطة في الجزيرة قد تقع في يد صاحب هذا الدين الجديد.
لقد كانت القبائل النائية عن مكّة تتطلّع إلى ذلك، فكيف لا تتطلّع قريش إليه؛ يقول الطبري: «وكان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم يعرض نفسه في الموسم إذا كان على قبائل العرب يدعوهم إلى اللَّه، ويخبرهم أنّه نبيّ مرسل، ويسألهم أن يصدّقوه ويمنعوه حتّى يبيّن عن اللَّه ما بعثه به ..
حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: قال محمّد بن إسحاق: وحدّثني محمّد بن مسلم بن شهاب الزهري: «أنّه أتى بني عامر بن صعصعة ودعاهم إلى اللَّه وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له: بيحرة بن فراس: واللَّه لو أنّي أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب.
ثمّ قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثمّ أظهرك اللَّه على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟! قال: الأمر إلى اللَّه يضعه حيث يشاء. قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرت كان الأمر لغيرنا؟! لا حاجة لنا بأمرك. فأبوا عليه» [١].
فإذا كانت القبائل المتوسّطة والصغيرة تتطلّع إلى تولّي الحكم بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم،
[١] . تاريخ الطبري ٢/ ٨٣- ٨٤.