الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٩٥ - المقام الثاني في ترك القوم فريضة المودّة و تبديلها بسنُنّة النّصب و العداوة
أقول: و إقرار الذهبي بأنّ كثيراً من رواة التّابعين وتابعيّهم هم ممن تشيّع وكان من الرافضة، يقتضي على أصول القوم تعديلهم لأولئك الرواة وحجّيتهم بمقتضى القاعدة والأصل الذي عدّلوا به الصحابة، وهو كونهم نقلة الدّين وأنّه لولا هم لما وصل إلينا، إلّاأنّ القوم لم يعملوا بهذا الأصل في التّابعين وتابعيهم فى الرواة المذكورين، ممّا يدلل على أن وجهة التعديل ليس ذلك الأصل المتقدّم وإنّما هو بيعة السقيفة.
ويلحظ في نهج الذهبي الدمشقي الذي هو من أئمّة الجرح والتعديل لدى أهل سُنّة الجماعة والذي وصفه تلميذه ابن السبكي في الطبقات بالنصب، بل إنّ غالب أئمّة الجرح والتعديل لديهم ممّن ينصب العداوة لآل البيت عليهم السلام- كما يفوح من كلماتهم-: أنّه جعل حبّ أهل البيت عترة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم- وهو التشيّع كما يسمّيه- بدعة، ولا يستغرب من جرأة القوم على القرآن والسُنّة وجعلهم الفريضة العظيمة بدعة، وسيأتي أنّهم جعلوا بغض أهل البيت سُنّة وكلّما أشتد البغض أطلقوا عليه صلب في السُنّة. و قد جرى على ذلك غالب أئمّة الجرح والتعديل لديهم.
ففي ترجمة إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي الجوزجاني قال ابن حجر في تهذيب التهذيب:
قال الخلال: إبراهيم جليل جداً، كان أحمد بن حنبل يكاتبهو يكرمه إكراماً شديداً .... و قال ابن حبّان في الثقات: كان حروري المذهب، ولم يكن بداعية، وكان صلباً في السُنّة، حافظاً للحديث، إلّاأنّه من صلابته ربّما كان يتعدّى طوره. و قال ابن عدي: كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الميل على علي. و قال السلمي عن الدارقطني بعد أن ذكر توثيقه: لكنّ فيه انحراف عن علي، اجتمع على بابه أصحاب الحديث فأخرجت جارية له فرّوجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها، فقال: سبحان اللَّه فرّوجة لا يوجد من يذبحها، وعليّ يذبح في ضحوة نيفا وعشرين ألف مسلم. قلت: و كتابه في الضعفاء يوضح مقالته، ورأيت في نسخة من كتاب ابن حبان حريزي المذهب وهو
٣٥٣٧١ الصحابة بين العدالة و العصمة، ص: ١٩٦
بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وبعد الياء زاي نسبة إلى حريز ابن عثمان المعروف بالنصب [١]. انتهى.
و قال الذهبي في ترجمته:
أحد أئمّة الجرح والتعديل ... كان مقيماً بدمشق يحدّث على المنبر وكان أحمد يكاتبه فيتقوّى بكتابه ويقرؤه على المنبر [٢]. انتهى.
أقول: فقد أفصحوا بأبلغ وضوح مرادهم من السُنّة والصلابة في السُنّة وهي نصب العداوة لعلي عليه السلام وولده، ويلاحظها المتتبع في تراجم كثير من الرواة من التّابعين وتابعيّهم المعروفين بالنصب والجفاء للعترة، وهذه السُنّة أفرزتها السقيفة من إقصاء أهل البيت عليهم السلام، ومن الهجوم على بيت فاطمة عليها السلام، كما جاهر بها بنوأُميّة وهي طابع النهج المرواني.
ولقد ارتجّ المسجد من صياح من فيه بعمر بن عبد العزيز: السُنّة السُنّة تُركت السُنّة! عندما ترك في خطبة الجمعة لعن ابن عمّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وأخيه!! وأصرّ أهل حران على الاستمرار على تلك السُنّة لمّا نهوا عن اللعن، وقالوا أنّ الجمعة لا تصحّ بدونها، ولا غرو فقد أخرجت تلك السُنّة في تلك البلدان أجيال ممّن تصلّبوا فيها من الوقيعة واللمز في أهل البيت عليهم السلام. هذا في حين يذكر الذهبي في ترجمة عمر بن سعد قاتل سبط النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: و قال العجلي: روى عنه الناس، تابعي ثقة.
و قال ابن حجر في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي البصري:
قال أبو طالب عن أحمد: لا بأس به، قيل له: أن سليمان بن حرب يقول:
لايكتب حديثه، فقال: أنّما يتشيّع، وكان يحدّث بأحاديث في فضل علي، وأهل البصرة يغلون في علي- أي في بغضه- وقال عباس عنه: ثقة كان يحيى بن سعيد لا يكتب حديثه لا يروي عنه وكان يستضعفه، وقال أحمد بن
[١] . تهذيب التهذيب ١/ ١٥٩ رقم ٣٣٢.
[٢] . ميزان الاعتدال ١/ ٧٥- ٧٦.