الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٤ - الخدشة في أدلة المسألة عند العامّة
معنىً كان من معاني الحجّية بُني عليه!
و لتبيين هذا التدافع، تأمّل الاعتقاد برسالة النبيّ الخاتم صلى الله عليه و آله و سلم وقوله تعالى: «لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» [١] فإنّه قد جهد المسلمون جهدهم في استقصاء أفعاله و أقواله، وسيرته وغزواته، وحركاته وسكناته، وصلحه وحربه، ومودّته مع مَن، وعدائه مع مَن، ورحِمِه وأهله وعشيرته ووُلده وزوجاته، واحتجاجاته، وصفاته، وكلّ صغيرة وكبيرة مرتبطة بوجوده الشريف صلى الله عليه و آله و سلم. كلّ ذلك لتقام الحجّة في أقواله وأفعاله، وتبلغ مسامع المكلّفين، ويأخذوا بهدي شريعته، وإلّا فكيف تبلغ الحجّة مع انقطاع الخبر وإبهام الحال؟!
فالحال في حجّية أقوال وأفعال الصحابة وسيرتهم لابُدّ في تحقّقها من دراسة سيرتهم وحياتهم وأقوالهم، لا سيّما وأنّ ما جرى من الفتن بينهم واقع في المسائل الدينية وما يرتبط بالشرع، سواء في المسائل الفرعية أو الأُصولية المرتبطة بالإمامة والحكم وحفظ الدين وإحراز السُنّة النبوّية وتفسير الكتاب، وبدعية بعض الأفعال من رأس أو ركنيّتها في الدين، والإقامة على العديد من السنن المقترحة وجعلها معالماً للدين.
ولقد كان الاختلاف بينهم والتضليل إلى حدّ المقاتلة، وهي تعني استباحة كلّ طرف دم الطرف الآخر، فكلّ طرف يرى الطرف الآخر مقيم على أمر وحال يبيح معه دمه، فإذا كان زعم العامّة أنّه لا بُدّ من ترك الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة، حفظاً لحرمة الصحابة وتعظيماً وتجليلًا لصحبتهم، فهذا الخطب أَوْلى الناس بمراعاته- في ما بينهم- الصحابةُ أنفسهم، لا الانتهاء إلى نقيض ذلك من استباحة دم الطرف الآخر؛ فليس إلّا أنّ الخطب جليل، أَحبط في نظر الطرف الأوّل ما للطرف الآخر من أعمال وسابقة، وانتفت حرمته إلى استباحة دمه!
فمع كلّ ذلك، كيف يسوغ لنا الاحتجاج بأقوال وأفعال كلّ من المصيب والخاطئ،
[١] . الأحزاب/ ٢١.