الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٥٠ - تعدّد الحُكم عند أصحاب الوحي
ظاهر تنزيله، وظنّ هؤلاء أنّ الوحي النبوي بتأويل الكتاب وحقائقه هو عبر حجاب الدلالة واللفظ.
ثمّ إنّ إحاطة العلم النبوي بجميع الألفاظ والتراكيب وطرق دلالتها يختلف عن درك الفقهاء والمجتهدين؛ فإنّ درك الفقهاء والمتجهدين خاضع لحافظتهم ونباهتهم في استقصاء الآيات، والتنبّه لمناسباتها مع المطلوب، ثمّ التناسب بين دلالتها، وكلّ ذلك خاضع إلى قدرة محدودة وفراسة محددة، فمن ثمّ تكون النتائج ظنّية، ويأتي اللاحق ويكشف خطأ السابق.
ونظير ذلك: ما في علم الرياضيات؛ فبما أنّ قدرة المختصّ الخبير بمعادلات ونظريات وقواعد ذلك العلم تظلّ محدودة، فإنّ قدراتهم على حلّ المجهولات تبقى محدودة أيضاً، وكم من مجهول لم يتمكّنوا من الوصول إليه بسبب عدم انبساط قدرتهم في استقصاء القواعد، واستحضارها بمناسباتها وتناسباتها، وترتيب ائتلافها للوصول للنتيجة؟!
وهذا بخلاف العلم الوحياني؛ فإنّه يحيط بكلّ ذلك، وبكلّ تناسبات التراكيب، ومعادلات الصياغات للدلالات، وإلى ما لا يحصيه إلّا الباري تعالى من الوجوه والفروض، فيطلعه بالتسديد والإلهام الوحياني إلى نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأوصيائه الوارثين لدنّياً علمه.
تعدّد الحُكم عند أصحاب الوحي:
تاسعاً: ما استدلّوا به من قصّة داود وسليمان (عليهما السلام)؛ إذ قال تعالى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً؛ فاستظهروا أُن حكمهما كان من طريق الاجتهاد، ولأنّ حكمهما لو كان بالنصّ لَما اختصّ سليمان بالفهم!!
ولا غرابة في استظهارهم هذا المعنى من الآية؛ بعد متاركتهم للثقل الثاني: عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، الّذين أُمروا بالتمسّك به مع الثقل الأوّل: القرآن الكريم، وبما أنّهما لا يفترقان وهما معاً، فمتاركة أحدهما متاركة للآخر ..
فمفاد الآية أجنبي عمّا راموه؛ قال تعالى: وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ* فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً.