الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١١٨ - ٤- الوجه التاريخى
أخذ الأسرى والحرب قائمة قبل أنّ ينهدّ صفّ المشركين ويستولي عليهم الرعب.
وقد وصفت الآية أنّ العقوبة لولا عفو اللَّه تعالى لكانت عذاب، ووصفته بالعظيم، وظاهر الآية وبمقتضى الإثخان هو: كون الواجب القتل لا الأسر أثناء قيام الحرب مع المشركين وقبل انتهائها بتقويض معسكرهم، لا ما يقال: إنّ الآية ناظرة إلى حكم الأسرى بعد انتهاء الواقعة، وإنّ الواجب هو قتلهم لامفاداتهم؛ لأنّه يخالف الآيات اللاحقة: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَ إِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» [١]، الدالّة على أنّ القتل المطلوب هو أثناء الحرب لا بعد أنّ تضع الحرب أوزارها.
و كلّ هذا في غزوة «بدر»، وكذلك الحال في غزوة «حنين»، قال تعالى: «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» [٢]، والفرار في اللقاء من الكبائر التي توعّد اللَّه عليها النار، كما فيقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ* وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» [٣].
و كذلك الحال في غزوة «أُحد» كما أشرنا إليه سابقاً في سورة آل عمران، وقد قتل خالد بن الوليد بني جذيمة في فتح مكّة حينما بعثه الرسول صلى الله عليه و آله و سلم حولها في سرايا تدعو إلى اللَّه تعالى ولم يأمرهم بقتال، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعياً ولم يبعثه مقاتلًا، فغدر خالد بهم وقتلهم، فانتهى الخبر إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم فرفع يديه إلى السماء ثمّ قال: «اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد» ثلاث مرّات؛ ثمّ أرسل رسول
[١] . الأنفال/ ٧٠ و ٧١.
[٢] . التوبة/ ٢٥.
[٣] . الأنفال/ ١٥ و ١٦.