الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٢٦ - أغراض تشريع الجهاد الإبتدائي
و على هذا، فلِمَ لا يحتمل القائل خطأ أصحاب السقيفة في بيعتهم، وخطأ اجتهادهم مع وجود النصَّين القرآني والنبوي على إمامة عليّ عليه السلام؟! و لِمَ يدّعي القائل امتناع احتمال ذلك؟! و كيف يبيّن الملازمة بين فضيلة الشيخين، وبين امتناع خطأ اجتهادهما، بعد فرض تسليمه بعدم عصمتهما؟! و إذا كانت المسألة اجتهاديّة فلم لا يسوّغ الاجتهاد المخالف؟!
أم هي بمعنى حجّية روايتهم كرواة ثقات، بحدود حجّيّة قول الراوي في الخبر؟! ثمّ ما هو الغرض المترتّب على سدّ الحديث والكلام عمّا وقع منهم وبينهم؟! و كيف يتلاءم ذلك مع دعوى الاقتداء بهم، إذا لم تعرف سيرتهم وأعمالهم؟!
و نذيّل المقال ببعض الأحاديث التي ذكرها أصحاب الصحاح:
١. روى البخاري في صحيحه، عن أبي وائل، عن حذيفة بن اليمان، قال: «إنّ المنافقين اليوم شرّ منهم على عهد النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، كانوا يومئذ يسرّون واليوم يجهرون» [١].
و هو مثار سؤال واجه كثيراً من الباحثين في التاريخ الإسلامي؛ إذ أنّ القرآن الكريم في سوره المباركة أشار إلى مشكلة كبيرة وخطيرة كانت قائمة تواجه الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و المسلمين، وهي أصناف وطوائف المنافقين، وقد أشرنا في ما سبق إلى بعض تلك السور الكريمة، ولا يفتأ القرآن يتابعهم في كلّ خطواتهم، التي كانت خطيرة على أوضاع المسلمين حتّى آخر حياة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم.
ولكن فجأة لا يرى الباحث في التاريخ وجوداً لهذه المشكلة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم! فهل إنّ أفراد طوائف ومجموعات النفاق قد تابوا وآمنوا بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم؟! أم إنّ الوضع- كما يصفه حذيفة بن اليمان، الخبير بمعرفة المنافقين، كما في روايات الفريقين، والذي شهد مؤامرة العقبة التي دُبّرت في غزوة «تبوك» لاغتيال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم- عاد مؤاتياً لتحرّكهم وفسح المجال لهم بالجهر بمقاصدهم التي يحيكونها
[١] . صحيح البخاري ٩/ ١٠٤ ح ٥٦ كتاب الفتن ب ٢١.