الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٨٠ - مفاد الآيات القرآنيّة
فلا تغفل، ويعضد ذلك أيضاً التوصيف ب «الصدق» كما تقدّم.
أمّا الآية الثانية من الآيات الثلاث من هذه السورة: «وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» [١]، فقد قيّدت الآية المديح بعدّة قيود، فلم تكتفِ بتبوّؤ الدار، بل قيّدته بالإيمان، والمحبّة لمن هاجر إليهم، والإيثار على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وعدم الشحّ.
ومن البيّن ضِيق الدائرة بلحاظ هذه القيود؛ لأنّه يُخرج المتبوّئ للدار المنافق، أو من انضمّ إلى فئة الّذين في قلوبهم مرض، أو من كان من أهل المدينة من الّذين مردوا على النفاق- كما في سورة التوبة- «لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ» [٢]، أو غيرها من النماذج التي استعرضتها سور التوبة والأحزاب ومحمّد صلى الله عليه و آله و سلم و البقرة والأنفال والمائدة، وغيرها من السور المتعرّضة للفئات الطالحة التي صحبت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من ألوان المنافقين المختلفة. فلا الآية الثانية هذه من سورة الحشر مطلقة لكلّ مدنيّ أسلم، و لا الآيات الأُخرى الناصّة على أنّ بعض الفئات الطالحة السيّئة هي من أهل المدينة تبقي الإطلاق المتوهَّم.
هذا، مع أنّه قد ورد في كتب أصحابنا عن أهل البيت عليهم السلام أنّ ذيل الآية «وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» قد نزلت في عليٍّ وفاطمة عليهما السلام، بل رووا ذلك أيضاً عن رواة العامّة عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم [٣]، نعم، في بعض الروايات أنّ سيّد هذه الآية وأميرها عليٌّ عليه السلام، ممّا يدلّ على عموم المعنى، ولا غرابة في ذلك بعد كون الآيات مختلفة نزولًا، فلعلّ صدرها في مورد وذيلها في آخر، وكم له من
[١] . الحشر/ ٩.
[٢] . التوبة/ ١٠١.
[٣] . الأمالي- للطوسي-: ١٨٥ ح ٣٠٩ المجلس ٧، مجمع البيان ٩/ ٣٨٦، تفسير الصافي ٥/ ١٥٧،
وانظر: شواهد التنزيل ٢/ ٢٤٦- ٢٤٧ ح ٩٧٠ و ٩٧١.