الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٥٩ - ١٠- محطّة الفتوحات
اللّهمّ إنّك تعلم أنّي لم أرد الإمرة ولا علوّ الملك والرئاسة، وإنّما أردت القيام بحدودك، والأداء لشرعك، ووضع الأُمور في مواضعها، وتوفير الحقوق على أهلها، والمضي على منهاج نبيّك، وإرشاد الضالّ إلى أنوار هدايتك» [١].
فهو عليه السلام يشير إلى أنّ ما دعا قريش إلى البقاء على ظاهر الإسلام بعد موت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم هو: أنّها لم تكن لتسود العرب، فضلًا عن العجم، إلّاباسم نبوّة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ودينه المبعوث به، وإلّا لأبت باقي القبائل عليها ذلك، كما هو حال توزّع القدرة بين القبائل في الجاهلية، وإلّا فقريش لم تكن تذعن بقلبها لبعثة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ومافضّله به اللَّه تعالى من كرامة له عليها، كالذي حصل لجميع الأنبياء من قبله مع قومهم، أو نظير ما حصل لعيسى عليه السلام مع قومه بني إسرائيل؛ قال تعالى: «وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ» [٢]، و: «وَ رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ... فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ» [٣].
ثمّ إنّه عليه السلام بيّن عاملًا ثانياً لانشداد قريش لدين النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم هو: غنائم الفتوح وما جلبته من ثراء، وهو يبيّن نوايا أصحاب فتوح البلدان، كما أنّه عليه السلام يبيّن أنّ خطط فتوح البلدان كانت من تدبير النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم و أوامره وبشاراته في عدّة مواطن، و تدبيره و رأيه هو عليه السلام.
و أنّ أسباب الفتح ترجع إلى عوامل عدّة لا صلة لها بالخلفاء الثلاثة، كيف والثلاثة لا عهد لهم بالحروب وإدارتها وتدبيرها؟! إذ لم يسبق لهم خوض يذكر في القتال إلّاما في غزوة خيبر؛ فقد ذكر المؤرّخون أنّ الأوّل والثاني انتدبهما النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لفتح الحصن، كلّ منهما مع سرية، فرجع كلّ منهما مع سريّته يجبّن الناس والناس يجبّنونه [٤].
[١] . شرح نهج البلاغة ٢٠/ ٢٩٨- ٢٩٩ الحِكم المنسوبة رقم ٤١٤.
[٢] . المائدة/ ١١٠.
[٣] . آل عمران/ ٤٩- ٥٢.
[٤] . المستدرك على الصحيحين ٣/ ٧٣؛ وفي كنز العمّال ١٣/ ١٢٢ رقم ٣٦٣٨٨: عن ابن أبيليلى، بعد سؤاله عليّاً عليه السلام عن لبسه ثياب الشتاء في الصيف وثياب الصيف في الشتاء، قال له عليه السلام: «ما كنت معنا يا أبا ليلى بخيبر؟! قلت: بلى واللَّه كنت معكم.
قال: فإن رسول اللَّه- صلّى اللَّه عليه وآله- بعث أبا بكر فسار بالناس، فانهزم حتّى رجع، وبعثعمر فانهزم بالناس حتّى انتهى إليه، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: لأُعطينّ الراية رجلًا يحبّاللَّه ورسوله ويحبّه اللَّه ورسوله، يفتح اللَّه له، ليس بفرّار.- وهذا تعريض منه صلى الله عليه و آله و سلم بالشيخين في كلا الوصفين.
قال: فأرسل إليّ فدعاني، فأتيته وأنا أرمد لا أُبصر شيئاً، فدفع إليّ الراية، فقلت: يا رسول اللَّه! كيف وأنا أرمد لا أُبصر شيئاً؟! قال: فتفل في عيني ثمّ قال: اللّهمّ اكفه الحرّ والبرد. قال: فما آذاني بعد حرّ ولا برد».
ونقله عن ابن أبي شيبة، وأحمد، والبزّار، وابن جرير وصحّحه، والطبراني في الأوسط، والحاكم، والبيهقي في الدلائل، و الضياء المقدسي.