الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٥٣ - تعدّد الحُكم عند أصحاب الوحي
وهناك تصرّف رابع سُجّل على طائفة منهم: وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ* إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا [١].
ثمّ تتّصل الآية: وَ شاوِرْهُمْ عقب ذلك ..
فسياق الآيات وألفاظ هذه الآية كلّ ذلك في جوّ عصيان وتمرّد على أوامر الله ورسوله، بل في الآيات اللاحقة تتضمّن اتّهام بعضهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يشير قوله تعالى: وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ [٢].
ولا تفتر الآيات في تقريع جماعات عديدة من المسلمين من أهل أُحد: أَ وَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا ... وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا ... الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [٣].
و: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [٤].
فمن ثمّ صُدّرت هذه الآية بمدح الله تعالى لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على اللين معهم، ثمّ الأمر بالعفو والتجاوز عن أخطائهم وعصيانهم وتمرّدهم، والاستغفار لهم، ثمّ يأتي الأمر: وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ في سياق ذلك، أي: في سياق تربية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين، وتزكيته لهم، وأنّ مشاورته لهم تصبّ ضمن برنامج التربية والتزكية والتعليم؛ ولذلك عقّب تعالى بُعيد هذه الآية بقوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا
[١] سورة آل عمران ١٥٤: ٣ و ١٥٥.
[٢] سورة آل عمران ١٦١: ٣.
[٣] سورة آل عمران ١٦٥: ٣- ١٦٨.
[٤] سورة آل عمران ١٧٩: ٣.