الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨٣ - ٩- آفاق الوحدة
بينكم [١].
فقوله عليه السلام: «فعقد بملّته طاعتهم، وجمع على دعوته أُلفتهم ... قد نفضتم أيديكم من حبل الطاعة، وثلمتم حصن اللَّه المضروب عليكم ...» إنّ منّة اللَّه على جماعة ووحدة الأُمّة هو بتوسّط ذلك الحبل، حبل الطاعة، وهو حبل الأُلفة، وإنّ في مقابل الموالاة الأحزاب، أيّ التفرّق والفُرقة؛ فلانصرة لهم من اللَّه تعالى وملائكته والمؤمنين، كما أنّه عليه السلام أخبر الأُمّة بملحمة مستقبلية، هي الملحمة القرآنية في آية الاعتصام، أنّهم سيتفرّقون ويضعفون أمام الكفر وتكالب الأعداء وكثرة الحروب حتّى يقدّر اللَّه تعالى النهاية، ولعلّه إشارة إلى عصر الظهور.
ولا يخفى الاقتباس في تعبيره عليه السلام بالحبل وإنّه الطاعة؛ إذ تضمّن الإشارة إلى آية الاعتصام من الفرقة بحبل اللَّه، وأنّه طاعتهم وولايتهم. فلا يأمل ولا يحلم المسلمون بتحقّق الأُلفة والوحدة والقدرة لهم على أعدائهم من دون التمسّك بحبل اللَّه، المتمثّل بولاية وطاعة أهل بيت النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، وأنّ إنشاد الوحدة من دون ذلك ممتنع.
وهذا الإخبار من القرآن ومن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وأهل بيته عليهم السلام إخبار إعجازٍ وتحدٍّ للمسلمين؛ يعضد ذلك العقل والمشاهدة العيانية الاستقرائية لأوضاع المسلمين ..
أمّا العقل: فإنّ المسلمين إن لم يرجعوا في عقائدهم، ومن ثمّ في أحكامهم و قوانينهم إلى مصدر واحد، فكيف يتمّ لهم الاتّفاق في نظامهم السياسي والاجتماعي والمذهبي؟!
وأمّا المشاهدة العيانية الاستقرائية: فهي حاصلة بأنّ مذاهب العامّة لا تكاد تنحصر في عدد معيّن، وحصرها في أربعة ما هو إلّامن فعل الخلافة العبّاسية في القرن الرابع الهجري، وإلّا فمذاهب فقهائهم كثيرة كاثرة، وهي لا تزال في تشعّب مذهبي- أي في أُصول القواعد- وفقهي واعتقادي، ولم يبقَ من الأربعة إلّاالعدد فقط، فهناك- الآن-
[١] . نهج البلاغة: خطبة ١٩٢- القاصعة.