وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٣٠ - و أمّا العامل الثالث
غيرك؟) [١].
و لنوضّح ما قلناه بتقرير آخر:
مضى على الوضوء العثمانيّ و إلى أيّام ثورة الإمام زيد بن عليّ ما يقارب القرن من الزمن، فلا يعقل أن لا يترك هذا الوضوء بصماته على الحديث و مواقف التابعين، مع ما عرفت من سعي الحكومة في تبنّي فقه الخليفة عثمان و نشر آرائه، مضافا إلى انّ مدرسة عثمان في الوضوء- كما سيتّضح لك لاحقا- كانت تبتني على الرأي و الاستحسان، و هذه الرؤية كانت تتّحد في بعض أصولها مع فكر الإمام أبي حنيفة، فذهاب أبي حنيفة إلى الوضوء الثلاثيّ الغسليّ إنّما جاء لاعتقاده بصحّة تلك الأحاديث المنقولة و موافقتها لأصول مذهبه و ليس لتأثّره بالاتّجاه الحكوميّ، إذ انّه قد حضر عند عطاء بن رباح في مكّة، و نافع مولى ابن عمر في المدينة، و أخذ عن عاصم بن أبي النجود، و عطيّة العوفيّ و عبد الرحمن بن هرمز مولى ربيعة بن الحارث، و زياد بن علاقة، و هشام بن عروة و آخرين، و غالب هؤلاء كانوا يتّحدون في الفكر و الآراء.
و على هذا، تكون الزيديّة قد تأثّرت بالفقه الحنفيّ للعلاقات و المواقف التي وقفها الإمام لهم، فإنّهم قد تمسّكوا بالفقه الحنفيّ و تركوا ما كان رسمه لهم زيد من فقه آبائه عن رسول اللّٰه (ص)، و ذلك لعاملين:
١- خلوّ الكوفة من علماء الزيديّة- بعد مقتل الإمام زيد- و انشغال الطالبيين بمقارعة الظالمين، و بذلك تهيّأت الأرضيّة لأبي حنيفة لاحتوائهم فكريّا لقربه إليهم مكانيّا و سياسيّا.
٢- ابتعادهم عن فقهاء الطالبيين الموجودين في المدينة، كعبد اللّٰه بن الحسن و جعفر بن محمّد الصادق، و سعي المندسّين في صفوف الثوّار لبثّ روح الفرقة بين صفوفهم و إشاعة كون عبد اللّٰه بن الحسن ليس بفقيه و لا يجوز الرجوع إليه، و أنّ جعفر بن محمّد لا يمكن الأخذ عنه لتقاعسه عن الجهاد مع زيد، و ما شاكل ذلك من الشبهات، كلّ ذلك ليحصروا الأخذ في الإمام أبي حنيفة.
[١] تاريخ المذاهب الإسلاميّة: ٢٦١، عن الانتقاء لابن عبد البرّ: ص ١٣٠.