وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٤٨ - نصيحة و موعظة
يعبرون عليه الى بلاياهم، و سلّما إلى ضلالهم.
جاء في رسالة الإمام زين العابدين للزهريّ:
«كفانا اللّٰه و إيّاك من الفتن، و رحمك من النار، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يرحمك. فقد أثقلتك نعم اللّٰه بما أصحّ من بدنك، و أطال من عمرك. و قامت عليك حجج اللّٰه بما حمّلك من كتابه، و فقّهك فيه من دينه و عرّفك فيه من سنّة نبيّه، فانظر أيّ رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي اللّٰه فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها.
و لا تحسبنّ اللّٰه قابلا منك بالتعذير، و لا راضيا منك بالتقصير، هيهات! هيهات! ليس كذلك، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّٰاسِ وَ لٰا تَكْتُمُونَهُ. و اعلم أنّ أدنى ما كتمت، و أخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم، و سهّلت له طريق الغي بدنوّك منه حين دنوت، و إجابتك له حين دعيت. فما أخوفني بإثمك غدا مع الخونة، و أن تسأل عمّا أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة، إنّك أخذت ما ليس لك ممّن أعطاك، و دنوت ممّن لم يردّ على أحد حقّا، و لم تردّ باطلا حين أدناك، و أحببت من حادّ اللّٰه، أو ليس بدعائه إيّاك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم، و جسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم، و سلّما إلى ضلالهم، داعيا إلى غيّهم، سالكا سبيلهم، يدخلون بك الشكّ على العلماء، و يقتادون بك قلوب الجهّال إليهم، فما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، و ما أيسر ما عمروا لك فكيف ما خرّبوا عليك.
فانظر لنفسك، فإنّه لا ينظر إليها غيرك، و حاسبها حساب رجل مسئول. و انظر كيف شكرك لمن غذّاك في نعمه صغيرا أو كبيرا، فما أخوفني عليك أن تكون كما قال اللّٰه في كتابه فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ .. الآية. إلى آخر الرسالة الخالدة [١].
بهذا فقد عرفنا شيئا من سرّ إكراه السلطان للزهريّ على تدوين السنّة، و سرّ استحيائه من أن يكتبها للسلطان و لا يكتبها للناس.
[١] تحف العقول، لابن شعبة: ١٩٨.