وضوء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٦٠ - سياسة الترهيب و الترغيب تجاه الفقهاء
و هذا النصّ يوقف القارئ على انّ أصول سياسة الحكّام كانت مبتنية على مخالفة عليّ في نهجه و فقهه، و انّ في قول سفيان (يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتّى ترى المسح على الخفّين) إشارة إلى أنّ السنّة الحكوميّة هي القول بالمسح على الخفّين و إخفاء بسم اللّٰه الرحمن الرحيم و .. و كلّ هذه القضايا مخالفة لفقه عليّ بن أبي طالب و نهجه، و بل إنّها لتؤكّد على إطاعة السلطان برّا كان أم فاجرا! كانت هذه هي سياسة المنصور، و تراها مبتنية على الترهيب و الترغيب، و المطالع في هذا النصّ يقف على دهاء المنصور و كيف كان يتعامل مع كلّ فرد حسب نفسيّته. و ننقل نصّا آخر يوضّح طريقة اختباره لأعدائه و طرق تجسّسه، و انّ نقل هذه النصوص يعطي للمطالع صورة قد تكون قريبة من الواقع.
طلب المنصور عقبة بن مسلم بن نافع من الأزد يوما و أناط به مهمّة، فقال له:
انّي لأرى لك همّة و موضعا، و انّي أريدك لأمر أنا معنيّ به.
قال: أرجو أن أصدّق ظنّ أمير المؤمنين؟
قال: فأخف شخصك و ائتني في يوم كذا، فأتيته.
فقال: انّ بني عمّنا هؤلاء قد أبوا إلّا كيدا لملكنا، و لهم شيعة بخراسان بقرية كذا يكاتبونهم، و يرسلون إليهم بصدقات و ألطاف، فاخرج بكسى و ألطاف حتّى تأتيهم متنكّرا بكتاب تكتبه عن أهل القرية، ثمّ تسير ناحيتهم، فإن كانوا نزعوا عن رأيهم فأحبب و اللّٰه بهم و أقرب، و إن كانوا على رأيهم علمت ذلك، و كنت على حذر منهم، فاشخص حتّى تلقى عبد اللّٰه بن الحسن متخشّعا، فإن جبهك- و هو فاعل- فاصبر، و عاوده أبدا حتّى يأنس بك، فإذا ظهر لك ما قبله فاعجل عليّ.
ففعل ذلك، و فعل به حتّى آنس عبد اللّٰه بناحيته، فقال له عقبة: الجواب؟
فقال: أمّا الكتاب فإنّي لا أكتب إلى أحد، و لكن أنت كتابي إليهم فأقرأهم السلام، و أخبرهم انّ ابني خارج لوقت كذا و كذا؟
فشخص عقبة حتّى قدم على أبي جعفر فأخبره الخبر [١].
و قد امتحن المنصور الصادق و عبد اللّٰه بن الحسن و ابنيه محمّدا و إبراهيم
[١] انظر: مقاتل الطالبيين: ص ٢١١- ٢١٢، و الطبريّ و غيره من كتب المؤرّخين.