تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٧٦ - الأوّل التبادر
للانصراف إلى خصوص صنف بعد ما كان الوضع للأعمّ ولا أصل يحرز عدمه، فكيف يكون علامة كونه المعنى الحقيقي؟!
ويمكن التفصّي عن الأوّل بمنع عدم إفادة الأصل في تشخيص حقيقيّة المراد كما مرّ، بل أصالة الحقيقة أصل عقلائي يتّبع فيه سيرة العقلاء وهم يبنون عليها في المقام أيضاً فيبنون على أنّ ما تبادر عند أهل المحاورة هو الحقيقة من دون اعتناء بذلك الاحتمال ولذلك تريهم يتعلّمون اللغات الغريبة بالإقامة في بلدانهم برهة من الزمان ويأخذون اللغات من محاوراتهم بما هو متفاهم بينهم. نعم، لو كان الكلام مشحوناً ومحفوفاً بما يصلح أن يكون قرينة فليس هناك أصل عدم قرينيّته الموجود، فإذا قال: رأيت أسداً يرمي وتبادر للسامع الرجل الشجاع والمستعلم لا يعلم أنّ ذلك لمكان قوله: يرمي أو لنفس لفظ الأسد، فلا يمكن له البناء على أنّه معنى الأسد حقيقة باستناد هذا التبادر. فلا ينافي ذلك ما هو المشهور خلافاً للسيّد المرتضى[١] من أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز فإنّ صرف الاستعمال في معنى معلوم لا يستلزم كونه حقيقة وإنّما يبنى على ذلك عند تبادره عند أهل العرف والشكّ في كونه مستنداً إلى حاقّ اللفظ أو القرينة، فتدبّر.
وأمّا الانصراف، فإن كان لكثرة الاستعمال فهي غير موجبة للاستغناء عن القرينة إلا إذا وصل حدّ الحقيقة إمّا بهجره عن غيره أو بصيرورته مشتركاً بينهما وحينئذٍ، فلا يخرج التبادر بلا قرينة عن كونه علامة الحقيقة. وإن كان لكثرة الوجود وكون صنف خاصّ أغلب الأفراد وجوداً كما ينصرف الإنسان إلى ذي
[١]. الذريعة إلى اُصول الشريعة ١: ١٣.