تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٢١١ - الجهة الثانية في اعتبار العلوّ في معنى الأمر
الطلب من السافل أو المساوي أمراً ولو اُطلق عليه كان بنحو من العناية فيكون الطلب من العالي أمراً ولو كان مستخفضاً بجناحه، وتقبيح الطالب السافل من العالي المستعلي عليه وتوبيخه بمثل: «أنّك لم تأمره» إنّما هو على استعلائه لا على أمره حقيقة بعد استعلائه وإنّما يكون إطلاق الأمر على طلبه بحسب ما هو قضية استعلائه. وكيف كان، ففي صحّة سلب الأمر عن طلب السافل ولو كان مستعلياً كفاية[١]، انتهى.
وفيه: أنّ صحّة السلب في المثال ممنوعة وما ذكره من التوجيه بلا وجه ولا دليل. وكون الطلب من العالي أمراً مطلقاً خلاف الوجدان، بل قد يقال: فلان متواضع لا يأمر غلمانه بل يسئل عنهم ونظير ذلك.
ويشهد عليه ما روي من قول بريرة: أتأمرني يا رسول اللّه٦؟ فقال٦: «لا، بل أنا شافع»[٢].
والأقرب في النظر أنّه لا يعتبر في معنى الأمر خصوص كون الطلب من العالي أو المستعلي، بل أنّه كيفية مخصوصة للطلب، فالطلب قد يكون بشدّة وغلظة، فيكون أمراً وقد يكون بلين وملايمة فيكون التماساً أو دعاءً وإن كان يختلف مراتب الشدّة في الأمر أيضاً[٣].
فإذا كان الطلب بذاك النحو يطلق عليه الأمر أو «فرمان» بالفارسية، سواء كان
[١]. كفاية الاُصول: ٨٣.
[٢]. راجع: الخلاف ٤: ٢٧٦؛ المسند، أحمد بن حنبل ١: ٢٥١؛ سنن أبي داود ١: ٤٩٧ / ٢٢٣١؛ سنن الدارمي ٢: ١٧٠.
[٣]. بل لعلّ الظاهر من الأمر هو الطلب الإلزامي بأيّ كيفية كان كما يشهد عليه قولهu في رواية: «كنت آمرك بكذا...». [منه غفرالله له]